الرسائل الإعلامية كطلقات سحرية:
بعد انتهاء كارثة الحرب العالمية الأولى ظهر اعتقاد عام بالقدرة البالغة لوسائل الاتصال الجماهيرية برز الاعتقاد بأن وسائل الإعلام قادرة على تشكيل الرأى العام وحمل الجماهير على تغيير رأيها إلى أى وجهة نظر يرغب القائم بالاتصال في نقلها. والفكرة الأساسية التي اعتمد عليها هذا الاعتقاد هي أن الرسائل الإعلامية تصل إلى جميع أفراد المجتمع بطريقة متشابهة، وأن الاستجابات الفورية والمباشرة تأتى نتيجة للتعرض لهذه المؤثرات (الرسائل).
فالجماهير عبارة عن ذرات منفصلة من ملايين القراء والمستمعين والمشاهدين، وهذه الجماهير مهيأة دائما لاستقبال الرسائل، وتشكل كل رسالة منبها قويا ومباشرا يدفع المتلقي للاستجابة بالشكل الذى يحقق هدف القائم بالاتصال.
ويذهب "جون بيتنر" (400- 339 :1986 .Bittner, J.R) إلى أن نظرية "الآثار الموحدة Uniform Effects" تنظر إلى جماهير وسائل الاتصال الجماهيرية كمجموعات من الأشخاص غير المعروفين، لهم أنماط حياة منفصلة، ويتأثرون - بشكل فردي - بمختلف وسائل الاتصال التي يتعرضون لها، أى أنها تجربة فردية وليست تجربة جماعية، وكان هذا القبول لفهم أثر وسائل الإعلام يسمى بنظرية "الرصاصة السحرية Magic Bullet" أو بنموذج "الحقنة تحت الجلد The Hypodermic Needle Model"، وتقوم هذه النظرية على افتراضين أساسيين هما:
1- أن الناس يستقبلون الرسائل الاتصالية بشكل مباشر وليس من خلال وسائل أخري.
2- أن رد الفعل حيال رسائل الاتصال يتم بشكل فردي، ولا يضع في الاعتبار التأثير المحتمل لأشخاص آخرين.
وقد انتهجت الدراسات الإعلامية خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين وجهة النظر التى ترى أن لوسائل الاتصال تأثيرا كبيرا على الآراء والاتجاهات والسلوك، حيث تكون الرسائل الاتصالية بمثابة "رصاص سحري" يصل فورا إلى عقول المستقبلين، وظهر ذلك في دراسات "هارولد لازويل" حول آثار الدعاية، و"كانتريل" و"إلبورت" حول التأثير السيكولوجي للراديو، و"كانتريل وجوديت و هيرزوج" حول تأثيرات الراديو المحتملة على المستمعين.
لقد كانت نظرية "الآثار الموحدة" المبنية على آلية "الإثارة والانفراج" "Suspense - Release S - R" أو "المنبه والاستجابة Stimuli -Response" ، كانت تبدو وسائل قوية وصحيحة تماما، خاصة فى ظل الرأي الذي يرى أن الطبيعة الأساسية للإنسان متشابهة، لقد كان يقال: إن المؤثرات القوية كانت تقدم بشكل متشابه لأفراد الجماهير، وكانت هذه المؤثرات تمس الدوافع الداخلية والعواطف، أو الجوانب الأخرى التي يحظى الفرد بقدرة محدودة على السيطرة عليها بشكل إرادى وبسبب الطبيعة الموروثة عن هذه الآليات، كان كل شخص يستجيب بشكل متشابه تقريبا، وكانت النتيجة هي أنه أمكن تغيير آراء أفراد الجماهير والتأثير عليهم من جانب المسؤولين عن وسائل الإعلام، وخصوصا من خلال استخدام المؤثرات العاطفية.
وهكذا كانت نظرية "الآثار الموحدة" أو "الطلقة السحرية" تعتمد تماما على النظريات العامة في مجال علم الاجتماع وعلم النفس وفقا لتطورها حتى ذلك الوقت. وفضلا عن ذلك كان هناك مثال واضح هو التأثير الهائل للدعاية خلال الحرب العالمية الأولي، ويبدو أن هذه الدعاية كانت تقدم الدليل الصحيح على أن وسائل الإعلام كانت قوية على نفس النحو الذي وصفها به "لازويل" وصفا دراميا عندما استنتج أنها كانت المطرقة الجديدة وسندان الترابط الاجتماعي"(221 : 1927 .Lasswell, H). كما كانت هناك الحقائق التي لا تقبل الجدل على ما يبدو، والناشئة عن إعلام جماهير ذلك الوقت بأن وسائل الإعلام قادرة على إقناع الناس بشراء السلع بكميات كبيرة، وبشكل متنوع، وقد جاء هذا الاعتقاد إضافة إلى الإيمان بقوتها العظمي.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولي، تدعمت بشدة أسس علم النفس وعلم الاجتماع في الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح هذان المجالان أكثر اهتماما بالبحث التجريبي، ونتيجة لذلك اضطرت نظرياتهم إلى إجراء الاختبارات لبيان مدى صحتها وواقعيتها، وأدى ذلك إلى التخلى عن الكثير من الأفكار السابقة، وظهور الكثير من الأفكار الجديدة.
وفي أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، تطور الاهتمام بوسائل الإعلام بوصفها موضوعات للبحث، وبدأ التحول من مجرد التكهن بآثارها إلى الدراسات المنتظمة لأثر محتوى الاتصال على أنواع معينة من الناس، ونظرا لأن مجموع عة متزايدة من أدوات البحث أصبحت متاحة، فإن الأفكار عن الاتصال الجماهيرى كانت تختبر بدقة لمعرفة مدى صحة هذه الاكتشافات تجريبيا ، وهكذا بدأ مجال الاتصال الجماهيرى يكتسب عددا متزايدا من البيانات التي أمكن فيها استنباط عدد من المفاهيم والاقتراحات.