0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الحاجة إلى التدبير

المؤلف:  عبد الله عمار الحموي

المصدر:  التدبير في المعيشة

الجزء والصفحة:  ص18 ــ 32

2026-11-05

29

+

-

20

لا يختلف اثنان في أن تدبير شؤون الحياة يُعدّ من الأمور الهامة لكل إنسان، فتنظيم شؤون الحياة حسب تعاليم ديننا الإسلامي التي وردتنا عن طريق الوحي المقدس، من شأنه أن يفتح لنا باب السعادة على مصراعيه. والمجتمعات البشرية اليوم كما هي بحاجة للاستعانة بما أنعم الله عليها من قوى إدراكية، فإنها أيضًا بحاجة ماسة إلى التعاليم الدينية، والعمل بالوصايا المطابقة للفطرة التي فَطَرَ الله الناس عليها.

ومما لا شك فيه أن انخفاض مستوى الدخل العام، والغلاء الفاحش، وعدم مراعاة الاعتدال في شؤون المعيشة، مضافًا إلى التحلل الخلقي للفرد والمجتمع الناشئ من الجهل بفن تدبير المعيشة طبق المعايير الإسلامية، وعدم الانسجام بين أعضاء الأسرة الواحدة، كلها أمور تقتضي البحث والتدقيق في النصوص الدينية المبينة لأسس التدبير، الكفيلة باستثمار نعم الله في هذه الحياة الدنيا خير استثمار في رحاب العمل بتعاليم الشريعة المقدسة، تمهيدًا لتحقيق هدفنا السامي الذي نطمح إليه، ألا وهو: التوفيق بأن يؤتنا الله في الدنيا حَسنةً، وأن ننال نعيم الآخرة الدائم.

وحسب اعتقادنا، فإنّ الشريعة الإسلامية تكفلت بوضع برنامج شامل ومتكامل يهدي الإنسان إلى السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة، لأنها تتناول جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية، للفرد والمجتمع على حد سواء، وقد أولى القرآن الكريم مفهوم التدبير أهمية بالغة، حيث زخر بمضامين تؤكد هذه الأهمية في إطار مفردات عديدة، مثل (مدبّر) و (تدبير) وما شابههما، والتي توحي لنا المعنى المراد اليوم من كلمة (الإدارة) السائدة بين الناس، وتشمل مفاهيم البرمجة والتخطيط، والتنظيم والانسجام والتوجيه الصحيح، الكامنة في مبدأ تدبير الأمور. ولا شك في أن الإنسان لا يمكنه أن يرجو خيراً من أفعاله دون تحقق هذه الأمور.

ومن الطبيعي أن الإنسان في بادئ الأمر بحاجةٍ ماسة إلى معرفة دين الله، وإدراك مفاهيمه، فالذي لا دين له لا حياة له. ومن هنا، ينبغي على المرء المثابرة لتنظيم شؤون معيشته، بحسن التقدير، ثم بعد ذلك لا بد له من الصبر وتحمل المصاعب التي تعترض طريقه. وقد أكد إمام المسلمين جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) على هذه الحقيقة، بقوله: ((لا يَصلُحُ المؤمن إلا على ثلاث خصال: التَّفقِّهِ فِي الدِّينِ، وحُسنِ التَّقدير في المعيشة، والصبر على النائبة))(1).

إذًا، تدبير شؤون الحياة لا بد وأن يكون متزامنا مع أمرين هامّين، هما: تحصيل البصيرة في المعارف الدينية، والصبر على المصيبات الواردة.

كما أن هناك أمرين يُعدان جوهر المعيشة وأساسها، وهما: الاعتدال، بمعنى عدم الإسراف واجتناب تبديد الجهود وإهدار الثروة؛ والتدبير الذي يقوم به الإنسان، يراد منه: التفكير في عواقب الأمور، وحسن التخطيط والإدارة الصحيحة. وقد روي أن رجلاً قال للإمام الصادق (عليه السلام): بلغني أن الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب! فقال (عليه السلام): ((لا، بل هو الكسبُ كلّهُ، ومِن الدِّين التدبير في المعيشة))(2).

من آثار حسن التدبير

أكد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على وجوب اتّصاف المؤمنين برؤية مستقبلية تدبيرية، حين قال: ((المؤمِنُونَ هُم الَّذِينَ عَرَفُوا مَا أَمَامَهُمْ))(3).

فلحُسن التدبير تأثير كبير على رقي شخصية الإنسان، من خلال ما يمده من نفاذ بصيرة في شؤون الحياة كافة، ويمكنه من تحقيق أهم متطلبات حياته في مختلف المجالات، مثل:

استثمار الثروة بطريقة مثلى.

1. اجتناب الإسراف في النعمة أو إتلافها.

2. عدم الاضطرار إلى تكرار عمل ما.

3. المكانة الرفيعة في المجتمع.

4. الثقة بالنفس.

5. صحة التعامل المالي مع الآخرين.

6. سلامة النفس، والعزة، وراحة البال.

من عواقب سوء التدبير

إنَّ لسوء التدبير عواقب وخيمة على حياة الإنسان، قد تؤدي إلى هلاكه وسقوطه، منها:

1. عدم الاستقرار والضياع.

2. التبعية الفكرية والاقتصادية.

3. الفقر والحرمان.

4. الفساد الخُلُقي.

ه. الذلة والوضاعة الاجتماعية.

6. تسلّط الآخرين.

7. التخلف الفكري والرجعية.

8. فقدان النعمة.

9. الاختلاف بين أعضاء العائلة الواحدة وتهديد كيانها.

وإذا أمعنا النظر في النتائج الحميدة لحُسن التدبير، والعواقب القبيحة لسوء التدبير، أدركنا مدى أهمية حسن التدبير ووجوب اتخاذه منهجًا في حياتنا. وتتأكد هذه الأهمية عندما نأخذ بعين الاعتبار بعض الأمور التي لها تأثير مباشر على حياة البشر، مثل: الدخل المحدود أو المتدني لبعض أبناء المجتمع، وارتفاع مستوى التضخم المالي، والغلاء الفاحش، والصعوبة في توفير مستلزمات العيش، والإفراط أو التفريط في بعض الأمور، إضافة إلى وجوب مراعاة الأصول الخلقية، والسلوكية، والاقتصادية والثقافية في جوانب الحياة كافة.

مفهوما التدبير والمعيشة

1. ما هو التدبير

التَّدبير الذي يقوم به الإنسان هو التفكير بعاقبة الأمور، وإمعان النظر، والتحسب لما سيكون. وأن يدبر الإنسان أمره هو: أن ينظر إلى ما تؤول إليه عاقبته وآخرته. والتدبر: التفكر في الأمر(4)، وهذا التدبر إنما يُثير في الإنسان قلبا حيا يقظا، وعقلاً منفتحا مستجيبا، وإحساسا دقيقا مرهفا. وبهذا الاستعداد يتمكن الإنسان أن يُحسن التدبر الدنيوي والديني.

وبعبارة أخرى: من أحسن التفكر والتدبر أحسن التدبير، فالتدبير هو الإتيان بالشيء عقيب الشيء، ويُراد به ترتيب الأشياء المتعددة المختلفة ونظمها، بوضع كل شيء في موضعه الخاص به، بحيث يلحق بكل منها ما يقصد به من الغرض والفائدة، ولا يختل الحال بتلاشي الأصل وتفاسد الأجزاء وتزاحمها(5).

التدبير في القرآن والسنة

أشار القرآن الكريم إلى أن التدبير صفةٌ من صفات الله تعالى(6) وملائكته(7)، والتدبير الإلهي للعالم، هو: نظم أجزائه نظما جيدًا مُتقنا، بحيث يتوجه فيه كل شيء إلى غايته المقصودة منه، وهي آخر ما يمكن أن يحصل له من الكمال الخاص به، ومنتهى ما ينساق إليه من الأجل المسمى. وتدبير الكل يعني إجراء النظام العام العالمي، بحيث يتوجه إلى غايته الكلية، وهي: الرجوع إلى الله سبحانه والقرب منه.

والباري سبحانه متعالٍ عن التدبير الذي هو التفكر والتقدير، فإنه لا يتصور إلا في حق من جهل شيئًا فأراد أن يستعمل فكرة في تحصيل العلم به، والجهل على الله محال، فالتدبير بمعنى الفكر عليه محال، ويتعالى عن ذلك الخالق القدير المنزه عن خواطر النفس وهواجس الضمير، وإنما ينبأ عن تدبيره الساري في الأكوان قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40].

ولك أن تتفكر في عظم قدرة الله تعالى، وسعة حكمته، وكمال عنايته وإتقانه، وحسن تدبيره وتنظيمه، فالكون بما فيه من المخلوقات لأوضح دلالة على هذا كله، وقد ظهر للعقل والحس أن هناك مديراً عظيماً وخالقا حكيما من وراء هذا التدبير والعناية والإتقان.

يشير الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي إلى هذا الموضوع بقوله: ((إن الظاهرات للحواس - أظهر الله لك الخفيات – لأوضح الدلالة على تدبير مُدبر أول. أعني مُدبراً لكل مُدبر، وفاعلاً لكل فاعل، ومكوناً لكل مكون، وأوّل لكل أوّل)).

وأفلاطون مثلاً يبين أن النظام في العالم لا يمكن أن يكون نتيجة للمصادفة، فالعالم من خلق مدبر رتب كل شيء عن قصد، وليس عن المصادفة والاتفاق كما أن فلاسفة العصر الوسيط اعتمدوا دليل الغائية والنظام في إثبات وجود الخالق.

وجملة من الفلاسفة اعتمدوا دليل الغائية والعناية حيث أنه من الأدلة القوية في إثبات وجود الخالق عز وجل. فالكون كما لاحظه أصحاب الدليل لم يخلقه الله تعالى مصادفة واتفاقا، إنَّ الله تعالى أودع الكون سننه التي يسير عليها، وجميع المخلوقات تسير وفق نظام متكامل لا مجال فيه للفوضى أو الاضطراب، ولا مجال فيه للعبث أو الاتفاق، فالإتقان الكامل، والعناية الشاملة لكل الموجودات تشهدان أن لهذا الكون خالقا ومدبراً حكيماً، نظم الكون وربط بين أجزائه المختلفة بحيث يكمل بعضها بعضا، وقَدَّر الخالق عز وجل كل شيء في هذا الكون تقديرا(8)، فالله يُدبّر الأمر، أي يُقدّر، ((ويُنفِذُه على وجهه، ويرتبه على مراتبه على أحكام عواقبه))(9)، وهذا التدبير يشمل الهداية التكوينية والتشريعية للمخلوقات وهاتين الهدايتين تتحققان عبر بعثة الأنبياء والرسل (عليهم السلام).

أما تدبير الملائكة، في قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، ففيها أقوالٌ ـ أيضًا ـ، أحدها: أن الملائكة تُدبّرُ أمرَ العبادِ من السَّنةِ إلى السَّنَة كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(10).

وقد أسند إليهم التدبير كإسناد التقسيم والنزع، والنشط، والزجر، كما في قوله: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} [الذاريات: 4]، وقوله: {فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} [الصافات: 2، 3].

وقال تعالى في حق الملائكة: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]، وقال في شأن الأمين جبريل وغيره من الملائكة {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64]، وأحد وجوه المراد بهذه المحكمات أن تسخير الملائكة وتدبيرها، وإرسالها هو دليل من أدلة إلهيته تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده لا شريك له.

وأما بالنسبة للبشر، فالتدبير دائما ما يكون متناغما مع العلم، والخبرة، والمعرفة، والعقل، فهو بطبيعته بعيدٌ عن العمل من دون تفكر وتعقل. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول في التدبير مثلَهُ كالمصباح المنير، وذلك عندما خاطب صاحبه عبد الله، قائلاً: ((يا ابن مسعود، إذا عملتَ عملا فاعمل بعلمٍ وعقلٍ، وإياك وأن تعمل عملاً بغير تدبر وعلم(11)، فإنّه جل جلاله يقولُ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92].

ويمكن القول: إن التدبير والتحسّب لعواقب الأمور، والتخطيط الصحيح، ونظم شؤون الحياة، تعد الأركان الأساسية للرقي، وبلوغ الكمال، وقد قال حفيد الرسالة الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): ((الكمال كُلُّ الكمال: التَّفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَالصَّبْرُ على النائبة، وتقدير المعيشة))(12). فمن خلال حُسن التدبير واتباع التقدير الصحيح في الأمور الاقتصادية، يمكن الوصول إلى الكمال المنشود.

ولا ريب في أن تدبير الإنسان، في استثمار ما لديه من إمكانيات اقتصادية محدودة، واجتناب الإسراف في تسخيرها، يعد أفضل من حيازته إمكانيات اقتصادية كبيرة يُسرف في استثمارها، فينبغي للعبد أن يكون على صواب من التقدير، وحكمة من التدبير(13)، فالتدبير سبب في قوة اقتصاد الحياة ورقيه، وقد أجاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على سؤال رجل سأله قائلاً: بلغني أن الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب، فقال (عليه السلام): ((لا، بَلْ هُوَ الكَسْبُ كُلُّهُ))(14).

وأكد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على أن التدبير سبيلٌ للنماء والرقيّ الاقتصادي، حين قال: ((حُسنُ التدبير يُنمي قليلَ المالِ))(15).

من هنا، كان المسؤول اللائق بإدارة شؤون العائلة أو شؤون فئة اجتماعية ما هو الذي يتمكن من تمهيد الأرضية اللازمة لاستثمار القابليات والإمكانيات أفضل استثمار، وذلك عبر تخطيط صحيح، ومنهجية مثالية، وتنسيق بين كافة الأعضاء، على مختلف مستوياتهم ومسؤولياتهم. كما لا بد له من نظم نشاطاته وفعالياته، ووضع كل شيء في موضعه، وتأدية ما عليه من تكاليف في وقتها المناسب، حتى يستحق بذلك صفة المُدبِّر.

ويُعد تدبير شؤون الحياة بطبيعته جزءا من الدين(16)، لذا، فإن حُسن التدبير كان صفة لازمة للمؤمنين بحيث يمتازون بها عن غيرهم، لأنهم لا يستهلكون أموالهم عبثا، ولا يبذّرونها، بل يراعون الاعتدال في إنفاقها، ويخشون فيها غضب الله تعالى، في ما لو أفرطوا أو فرطوا في إنفاقها، بخروجهم عن الحدود التي أجازها الله تعالى لهم في الإنفاق.

1. التدبير الفردي

في الأطر المعيشية المحدودة يجدر بالإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار الجوانب النوعية لمؤونته التي يقتنيها، ومدى كفاية المصادر الإنتاجية والخدماتية التي يعتمد عليها في معيشته، أي عليه أن يسخر كل مصدر إنتاجي أو خدماتي بطريقة يمكنه معها بلوغ أقصى درجات الاستثمار، فإننا في زمن من الجيد فيه أن يدرك الإنسان أنه كم أساء إلى نفسه وحياته وسلامته؛ جراء اعتماده نمط الحياة المادية القائمة على الاستهلاك الشره، دون النظر إلى عواقب ذلك، ودون التفكر في أن من واجبه، وحفظاً لبقائه آمنا؛ أن يغير طريقة عيشه وسلوكه، وأن يعمل على معالجة كل ما يتسبب بوقوعه في شراك الحاجة، التي قد ينصبها هذا الزمن الصعب. فمن المهم أن يسعى لإصلاح مصادر الكسب، فهذا من الأمور الضرورية في مجال المعيشة. ويتوجب عليه أن يبادر الآن إلى اعتماد مبدأ حسن التدبير، فنحن في ضائقة اقتصادية ومالية قد زادت مع انتشار هذا الوباء المستجد، وقد تزداد قسوة في قادم الأيام، فالفرد الذي يفقد حسن التدبير والتخطيط الصحيح في برامجه المعيشية سوف يُحرَم من الخير، روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: ((لا خَيرَ في دُنيا لا تَدبيرَ فيها))(17).

وروي عنه (عليه السلام) أيضًا: ((قِوام العيشِ حُسنُ التَّقْدِيرِ، ومِلاكُهُ حُسنُ التدبير))(18).

ومن المؤكد أن التخطيط الصحيح وحسن التدبير، يُعد وسيلة ناجعة لكسب المال والتمكن من ادخاره والاستعانة به عند الحاجة، أما العشوائية في العمل وسوء التدبير؛ فإنه يؤدي بالضرورة إلى هدر الموارد، في وقت يتوجب على كل فرد منا أن يخطط لاستغلال موارده - مهما كانت محدودة على الوجه الأكمل وأن يترك كثرة الشكوى من المتاعب والكوارث والأزمات فهي ليست سلبية بالمطلق، بل إنها تنطوي على إيجابيات عظيمة أيضًا، فكل التغييرات التاريخية المهمة حدثت نتيجة كوارث طبيعية، أو كوارث من صنع البشر، فعلى الإنسان أن ينجح في تحويل الأزمات والتحديات إلى فرصة للاعتماد على الذات، استنادا منه على ثقته في عون الله تعالى له، وعلى ما يملكه من قدرات وإمكانات متاحة، ولا يبقى عليه إلا العزم والإصرار واستغلال طاقته الكامنة بشكل أمثل.

2. تدبير البيت

هو: تنظيم الحياة المنزلية على الصعيد المالي والمادي. وفنّ تدبير المنزل، هو: مجموع الطرق التقنية، لتسهيل مهمة ربة البيت، ومساعدتها في توفير أسباب الراحة، وترتيب داخل البيت وتجميله(19). وكذلك يقال: دبَّرَ أمر البيت، أي نظم أموره، والتصرفات العائدة إليه، بما يؤدي إلى صلاح شأنه، وتمتع أهله بالمطلوب من فوائده(20).

ولأن الأسرة هي البناء الأقدس، والميدان التأسيسي الأهم والأثمن، فإن المحافظة على أمنها الاقتصادي والاجتماعي ضرورة لا بد منها، واعتماد منهج حسن التدبير في كل ما يخص معيشتها أجدر وأولى، وبطبيعة الحال فكلما كان الشيء أثمن وأغلى، وأنفع وأعظم وأعلى، كان التدبير لحفظه وحمايته أشد وأمتن وأكثر، وأدق وأحكم وأوفر.

3. لَكُمْ فِيهَا مَعَائِشَ

جهز الباري سبحانه وتعالى الأرض بكل مقومات الحياة لتُصبح بيتا آمنا للإنسان، وتفي بكل متطلبات المعيشة، وكلمة (المعيشة): مشتقةٌ من مادة (عيش)، وهي تعني: الحياة، وتستعمل لذوات الأرواح فقط. وهذه الكلمة أخص من كلمة (الحياة)، لأن تعبير الحياة يمكن إطلاقه على البارئ عَزَّ وَجَلَّ، وعلى الملائكة، بينما تختص كلمة العيش بحياة الإنسان والحيوان فحسب(21).

و (معايش) جمع (معيشة)، وهي عبارة عن الوسائل والمستلزمات التي تتطلبها حياة الإنسان، بحيث يحصل عليها بالسعي تارة، أو تأتيه بنفسها من دون سعي تارةً أخرى. ومع أن بعض المفسرين حصر كلمة (معايش) بالزراعة والنبات، أو الأكل والشرب فقط، ولكن مفهومها اللغوي أوسع من أن يخصص، ويُطلق ليشمل كل ما يرتبط بالحياة من وسائل العيش(22).

وقد ورد في القرآن الكريم: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10]، فـ(المعاش) في هذه الآية: يحتمل أن يكون اسم زمان أو اسم مكان، بمعنى زمان أو مكان الحياة، ويمكن أن يكون مصدراً ميمياً، فيكون له محذوفٌ والتقدير: (سببا لمعاشكم)(23).

ويُذكر أن مشتقات كلمة (عيش) تكررت ثماني مرات في القرآن الكريم، كما أن الأحاديث والراويات الشريفة تطرقت إليها بكثرة وبالطبع، فإن رؤية القرآن الكريم والسنة المباركة لمعنى هذه الكلمة لا تنحصر في كسب المال وبذله، بل نجد فيها تحفيزا لرب العائلة إلى السعي في توفير حياة هنيئة لأفراد أسرته، على جميع المستويات المادية. روى أهل البيت (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله)أنه قال: ((مَنْ لَمْ يَسْتَحِ مِنْ طَلَبِ الْمَعِيشَةِ خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ، وَرَخَى بَالُهُ، وَنَعِمَ عِيَالُهُ))(24).

__________________________

(1) الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، ج 5، ص 87.

(2) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، ج 2، ص 458.

(3) المجلسي، العلامة محمد باقر، بحار الأنوار، ج 75، ص 25.

(4) علي جمال الدين محمد بن مکرم، ابن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي المصري، لسان العرب، ج 4، ص 273، مادة ((دبر))؛ زكرياء أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ص 324، مادة ((دبر))؛ الأصفهاني، الراغب، الحسين بن محمد بن المفضل، المفردات في غريب القرآن، مادة ((دبر)).

(5) الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 11، ص289 ــ 290.

(6) سورة السجدة، الآية 5، وسورة يونس، الآية 31، وسورة الرعد، الآية 2.

(7) سورة النازعات، الآية 5.

(8) أبو ريدة، محمد عبد الهادي، الكندي ورسائله الفلسفية، ص 213-216.

(9) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 5، ص 136.

(10) الطبرسي، مجمع البيان، ج 10، ص 652.

(11) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مكارم الأخلاق، ص 458.

(12) الكليني، الكافي، ج 1، ص 32.

(13) انظر ما رواه المفضل بن عمر الجعفي الكوفي، التوحيد، ص 10.

(14) الطوسي، الأمالي، ص 670.

(15) الواسطي، أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن أبي نزار الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ص 227.

(16) عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ((مِن الدِّينِ التدبيرُ في المعيشَة))، أنظر : أمالي الشيخ الطوسي، ص 670.

(17) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص 307.

(18) التميمي، عبد الواحد بن محمد ابن عبد الواحد الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص 503.

(19) معلوف، لويس، المنجد (قاموس عربي - فارسي) ، ج 1، مادة ((دبر)).

(20) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 11، ص 290.

(21) الأصفهاني، الراغب، المفردات في غريب القرآن، مادة ((عيش)).

(22) السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 18، ص 99.

(23) الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 19، هامش الصفحة ص332.

(24) الأصبهاني، الحافظ أبو نعيم، حلية الأولياء، ج 3، ص 191. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد