في رحاب مدرسة شيخٍ جليلٍ من أهل العلم، تفيأ ظلال معارفه حشدٌ غفيرٌ من طلبته ومريديه، قضى جلّهم عقودًا من أعمارهم بين يديه، ينهلون من نمير علمه. وكان من بين ذلك الجمع فتىً في مُقتبل عمره، بيد أنّ الشيخ كان يخصّه بمكانةٍ رفيعةٍ، ويدنيه منه إدناءً يفوق ما يحظى به كبار الشيوخ والكهول من تلامذته. أشعلت هذه الحظوة نار الغيرة في صدور الأقدمين، فمشوا إلى شيخهم ذات يومٍ يبثّونه عتبهم، لإيثارهِ إيّاهُ عليهم رغمَ غضاضةِ سِنّهِ وقِصَرِ رحلتهِ، تبسّم الشيخ بحكمةٍ ووقارٍ وقال:
"إنّ هذا الفتى، وإن قصُر دونكم بالذخيرة، فقد فاق سعيكم بالبصيرة، وله في طوايا نفسه مزايا يقصر عنها جهدكم، وسأريكم من برهان ذلك ما يثلج الصدر".
وفي الغد، أحضر الشيخ طيورًا ووزعها على تلامذته، ثم أصدر إليهم أمرًا غريبًا: "ليأخذ كلٌّ منكم طيره، وليذبحه في موضعٍ خفيٍّ، بحيث لا يراه في فعله ذلك أحد".
مضى الطلاب يبتغون مسارب الخفاء، وما إن أشرق صباح اليوم التالي حتى أقبلوا يزفّون طاعتهم، وبيد كلّ واحدٍ منهم طيرٌ مضرّجٌ بالدماء. إلا ذلك الفتى؛ فقد أقبل ممسكًا طيره حيًّا يرفرف بين يديه!!
فانفجرت القاعة بضحكات الاستهزاء الساخرة، ورمقته العيون بشزر المذمة. التفت الشيخ إليه وسأله بحزم: "لماذا لم تنفذ ما أمرتك به يا بني؟".
فأطرق الفتى حياءً، ثم رفع طرفه وقال بنبرةٍ تفيض خشوعًا: "يا شيخي، لقد سبرت أغوار الخفاء، وفتشت في زوايا الظلمة، فما وجدت مكانًا يغيب عنه نظر الله سبحانه وتعالى، وكيف أذبحه في خفاءٍ وعين الله ترعاني وتراني؟".
استدار الشيخ نحو تلامذته الذين ألجمتهم الدهشة، وقال وعيناه تشعان فخرًا: "أرأيتم؟ هذا هو السرّ الذي لأجله أجللت قدره، إنه يعبد الله كأنه يراه، وعاش بقلبٍ مستمسكٍ بعروة اليقين، لا يغيب عن وعيه رقيب السماء، وهي معرفةٌ قَصُرت عنها سنواتكم الطوال".
ومنذ ذلك اليوم، انطفأت نائرة الغيرة لديهم، وعلا مقام الفتى في قلوب الجميع، وازداد سموًّا في عين أستاذه.
الحكمة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك».

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)