تناول المشرع المصري الاختصاص المحلي "المكاني" في قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم (13) لسنة 1968 في المواد (49-62) حيث أعطى المشرع المذكور أعلاه الاختصاص للمحكمة التي يكون موطن (1) المدعى عليه ضمن رقعتها الجغرافية وفي حال انعدام موطن المدعى عليه في جمهورية مصر فيكون الاختصاص لمحكمة محل اقامته وعند تعدد المدعى عليهم يسند الاختصاص لمحكمة أي واحداً منهم(2)، كما ويكون الاختصاص في الدعاوى العينية العقارية ودعاوى الحيازة لمحكمة محل العقار، أو أحد أجزائه في حالة كونه أي العقار يتكون من أجزاء متعددة تدخل في اختصاص محاكم متعددة، أما الدعاوى العقارية الشخصية فينعقد الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه أو محل العقار (3).
وتجدر الإشارة إلى أن مشكلة الاختصاص لا تظهر عندما تكون هنالك محكمة واحدة ، فيكون الاختصاص مسند اليها في كل ما يُثار من منازعات في حدود ذلك المكان، إلا أن الأمر يبرز إلى حيز الوجود وبشكل واضح عند تعدد المحاكم المختصة، فلابد من ضابط لتحديد المحكمة المختصة مكانياً (4) ، كما إن تعدد المدعى عليهم واختلاف مواطنهم يجعل القاعدة العامة في اسناد الاختصاص باختصام كل واحد منهم بحسب موطنه مما يعمل إلى تجزئة (5) الدعوى وتقطيع أوصالها مما يؤدي إلى زيادة نفقاتها (6)، ولا يعد خروجاً على القاعدة العامة فيما تختص به المحكمة بارتباطها بموطن الشخص المعنوي عند الادعاء عليه ، كون مركز الإدارة (الرئيس) هو موطن الشخص المعنوي ، إلا أن ما ترفعه الشخصية الاعتبارية على أحد الأعضاء أو الشركاء لديها وعدم إنكار الطرف الآخر في الخصومة لعضويته أو شراكته يجعل الاختصاص معقودا لمحكمة المدعي الشخص المعنوي) وهو ما يعد خروجاً على الأصل في القاعدة العامة لموطن المدعى عليه وعلى العكس من ذلك فيما يرفعه العضو أو الشريك في تلك المؤسسة أو الشركة مقرا بعضويته أو شراكته لتلك المؤسسة فمثل هذه الدعاوى لا تخرج عن القواعد العامة المتبعة حيث ترفع الدعوى لدى محكمة المركز الرئيس للشركة(7).
و يشترط أن تكون الدعوى المرفوعة متعلقة بالتركة قد ورفعت قبل قسمتها النهائية من قبل دائن التركة أو الورثة بمواجهة بعضهم البعض (8) وقد كان قصد المشرع من هذا الاستثناء الممنوح لمحكمة فتح التركة كونها تكون قادرة على الوقوف على ما يحصل من نزاع بشأن التركة ، وفحص أوراقها ، والكشف على أعيانها بجهد يسير ونفقات أقل، كذلك كان يهدف إلى جمع دعاوى الورثة بعضهم تجاه الآخر، قبل إجراء القسمة ، أمام محكمة واحدة كي لا تتضارب الأحكام، في دعوى واحدة متشعبة (9) وتنظر مسائل الأفلاس من قبل المحكمة التي قضت به فتكون هي المختصة بنظر تلك الدعوى (10) ، كونها المحكمة الأقدر على النظر بما يتعلق به (11) وما يتفرع عنه من منازعات(12).
يلاحظ أن المشرع المصري قد منح الاختصاص المكاني في دعاوى التوريدات وأجور الصناع والسكن والعمال والإجراء لمحكمة موطن المدعى عليه تماشياً مع القاعدة العامة ، أو المنطقة التي تم الاتفاق في دائرتها أو نفذ ذلك الاتفاق ضمن دائرتها في حال كونها تمثل موطن المدعي (13) و هي دعاوى تمتاز بقيمتها الضئيلة ومبالغها المالية الزهيدة إذ من الممكن أن تكون محكمة محل المدعى عليه بعيدة مما يكون من الصعب عليه متابعتها لذا سمح المشرع بإقامتها ضمن دائرة موطن المدعي في حال قيام الاتفاق والتنفيذ ضمن نفس الدائرة (14) ، أما النفقات فقد أجاز المشرع للمدعى بالنفقة مراعاة منه لمركزه الضعيف وحاجته الماسة لتلك النفقة وعدم قدرته على الانتقال إلى محكمة المدعى عليه(15) طبقاً للقواعد العامة (16) إذ أعطى له الحق بالخيار في اقامة تلك الدعوى لدى محكمة المدعى عليه، أو محكمة موطن المدعي (17) وتكون المنازعات الخاصة بالتامين (18) من اختصاص محكمة المستفيد (19) .
_________
1- الموطن حسب الفقرة (1) من المادة (40) من القانون المدني المصري رقم (131) لسنة 1948 المعدل الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادةً."
2- المادة (49) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري" يكون الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه مالم ينص القانون على خلاف ذلك".
3- المادة (50) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.
4- د. نبيل اسماعيل عمر الوسيط في قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديد الإسكندرية 2006 ، ص207
5- د. عبد الوهاب العشماوي ، ومحمد العشماوي قواعد المرافعات في التشريع المصري والمقارن، المطبعة النموذجية، القاهرة، 1958 ، ص 490.
6- د. د. علي البارودي، بحث حول المنقولات ذات الطبيعة الخاصة، منشور في مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، تصدر عن كلية الحقوق جامعة الاسكندرية، العددان الثالث والرابع لسنة 1960 1961 ، مطبعة جامعة الاسكندرية، 1962 ، ص 49..
7- نقض في الطعن رقم 2753 لسنة 61ق جلسة 1998/1/8 منشور لدى د. حازم بيومي المصري، الموسوعة التأصيلية في المرافعات المدنية والتجارية ، الاختصاص ، ج 1 ، ط1، دار النهضة العربية ، القاهرة، 2012، ص441.
8- د. حازم بيومي المصري، الموسوعة التأصيلية في المرافعات المدنية والتجارية (الاختصاص) ، ج 1 ، ط1، دار النهضة العربية ، القاهرة، 2012 ص441، ص53
9- د. عبد الحميد الشواربي ، موسوعة الدفوع المدنية ، ج 1 ، دار الكتب والدراسات العربية، الاسكندرية 2018 ،ص188.
10- المادة (54) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري .
11- فتحي والي الوسيط في قانون القضاء المدني، دار الكتاب الجامعي ، القاهرة، 2001، ص 303
12- د. أحمد صالح مخلف الاختصاص النوعي للمحاكم التجارية، بحث منشور في مجلة العدل السعودية، مجلة علمية محكمة تعنى بشؤون الفقه والقضاء تصدر كل شهرين عن وزارة العدل السعودية، العدد 66 ذو القعدة 1435هـ، السنة السادسة عشرة ، ص 160 وما بعدها.
13- المادة (56) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.
14- د. عبد المنعم الشرقاوي، شرح قانون المرافعات ، ج 1 ، دار النشر للجامعات المصرية ، القاهرة ، 1956 ، ص 273.
15- المادة (304) من قانون المرافعات المدنية العراقي.
16- د. نبيل اسماعيل عمر، الوسيط في قانون المرافعات المدنية والتجارية، مصدر سابق، ص115
17- المادة (57) من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.
18- د. نور حمد الحجايا الاتفاق على اختيار المحكمة المختصة في المنازعات بحث منشور في مجلة الحقوق ،مجلة علمية محكمة تصدر عن مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت ، العدد 2 ، السنة 33 رجب 1340هـ يونيو (حزيران) 2009م، ص308
19- د. أحمد شرف الدين الاساس القانوني لرجوع المؤمن على الغير المسؤول عن الحادث، بحث منشور في مجلة الحقوق والشريعة تصدر عن كلية الحقوق والشريعة بجامعة الكويت، مجلة دورية تعنى بالدراسات القانونية و الشرعية ، السنة الرابعة العدد الثاني، جمادي الاولى عام 1400هـ ، ابريل (نيسان) 1980 ، ص 221