ذكر ابن شهرآشوب في مناقبه، عن سفيان، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ ولكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.[1] يقول هؤلاء ذلك للمجرمين الذين يقسمون يوم القيامة إنّهم ما لبثوا غير ساعة.
قال: قد يكون الإنسان مؤمناً، ولا يكون عالماً، فو الله لقد جُمع لعليّ كلاهما العلم والإيمان.[2] وقائل هذا الكلام للمجرمين يوم القيامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
وروى محمّد بن مسلم، وأبو حمزة الثمالى، وجابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام، وعليّ بن فضّال، والفضيل بن يسار، وأبو بصير عن الصادق عليه السلام، وأحمد بن محمّد الحلبيّ، ومحمّد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام، وكذلك روى عن موسى بن جعفر عليه السلام، وزيد بن عليّ، ومحمّد ابن الحنفيّة، وسلمان الفارسيّ، وأبي سعيد الخُدريّ، وإسماعيل السدّيّ في تفسير الآية الكريمة: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.[3] قالوا: هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
وروى عن ابن عبّاس أنّه قال: لا واللهِ مَا هُوَ إلَّا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَقَدْ كَانَ عَالِماً بِالتَّفْسِيرِ والتَّأوِيلِ والنّاسِخِ والمَنسُوخِ والحَلَالِ والحَرَامِ.[4]
وروى عن ابن الحنفيّة قوله: عليّ بن أبي طالب عليه السلام عنده علم الكتاب الأوّل والآخر.[5] ورواه النطنزيّ في «الخصائص».
ومن المحال أنّ يستشهد الله تعالى بيهوديّ (عبد الله بن سلّام) ويجعله ثاني نفسه.
وقوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ[6]
موافق في عدد الحروف الأبجديّة لقول ابن عبّاس: كَلَّا، انزِلَ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيّ، إذ إنّ عدد حروف كلّ واحد منهما ثمانمائة وسبعة عشر.
وقال العونيّ:
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ وعِلْمُ مَا *** يَكُونُ ومَا قَدْ كَانَ عِلْماً مُكْتَمَا
وقال أبو مُقاتل بن الداعي العلويّ:
وَإنّ عِنْدَكَ عِلْمَ الكَوْنِ أجْمَعَهُ *** مَا كَانَ في سَالِفٍ مِنْهُ ومُؤتَنَفِ
وقال نصر بن المنتصر:
وَمَنْ حَوَى عِلْمَ الكِتَابِ كُلَّهُ *** عِلْمَ الذي يَأتِي وعِلْمَ مَا مَضَي
وقد ظهر علمه (عليّ) على سائر الصحابة حتى اعترفوا بعلمه، وبايعوه.[7]
قال الجاحظ: اجتمعت الامّة على أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم من أربعة: عَلِيّ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وقالت طائفة: عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. ثمّ أجمعوا على أنّ الأربعة كانوا أقرأ لكتاب الله من عمر.
ولمّا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): يَؤُمُّ بِالنّاسِ أقْرَؤُهُمْ، فسقط عُمَرِ (من بينهم).
ثمّ أجمعوا على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: الأئمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، فسقط ابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدٌ، وبقي عَلِيّ وابْنُ عَبَّاسٍ، ولمّا كان (الاثنان) عالمينِ فقيهينِ قرشيّينِ، فأكثرهما سنّاً وأقدمهما هجرة عَلِيّ، فسقط ابْنُ عَبَّاسٍ وبقي عَلِيّ أحقّ بالإمامة بالإجماع.[8]
وكانوا (أي وكان الصحابة كلّهم) يسألونه، ولم يسأل هو أحداً. وقال رسول الله: إذَا اخْتَلَفْتُمْ في شَيءٍ فَكُونُوا مَعَ عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ.
قال عبادة بن الصامت: قَالَ عُمَرُ: امِرْنَا إذَا اخْتَلَفْنَا في شَيءٍ أن نُحَكِّمَ عَلِيَّاً. ولهذا تابعه المذكورون بالعلم من الصحابة نحو: سَلْمَان، وعَمَّار، وحذَيْفَة، وأبِي ذَرّ، وابَيّ بْنِ كَعْبٍ، وجَابِرٍ الأنْصَارِيّ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودِ، وزَيْدِ بْنِ صَوحَان. ولم يتأخّر إلّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وأبُو موسى، ومَعَاذُ، وعُثْمَانُ؛ وكلّهم معترفون له بالعلم، مقرّون له بالفضل.[9]
قال النقّاش في تفسيره: قال ابن عبّاس: عليّ علم علماً علّمه رسول الله؛ ورسول الله علّمه الله؛ فَعِلم النبيّ علم الله؛ وعلم عليّ من علم النبيّ؛ وعِلمي من علم عليّ؛ وما علمي وعلم جميع أصحاب محمّد في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر.[10]
قال الضحّاك: عن ابن عبّاس قال: اعطي عليّ تسعة أعشار العلم؛ وإنّه لأعلمهم بالعشر الباقي.[11]
وجاء في «الأمالي» للطوسيّ: مرّ أمير المؤمنين عليه السلام بملأ فيهم سلمان. فقال لهم سلمان: قوموا! فخذوا بحجزة هذا! فوالله لا يخبركم بسرّ نبيّكم صلى الله عليه وآله غيره![12]
وورد في «الأمالي» لابن بابويه: قال محمّد بن المنذر: سمعت أبا أمامة يقول: كان عليّ إذا قال شيئاً، لم يشكّ فيه؛ وذلك أنّا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خَازِنُ سِرّي بَعْدِي عَلِيّ.[13]
وقال الحِميَريّ:
وَعَلِيّ خَازِنُ الوَحْي الذي *** كَانَ مُسْتَودَعَ آياتِ السُّوَرْ[14]
وروى عن يَحْيَي بْنِ مُعِين بإسناده عن عطاء بن أبي رباح أنّه سئل: هل تعلم أحداً بعد رسول الله أعلم من عليّ؟! قال: لا والله ما أعلمه.[15]
وأمّا قول عمر بن الخطّاب في ذلك فكثير، رواه الخطيب (البغداديّ) في (كتابه) «الأربعين». قال عمر: العلم ستّة أسداس لعلى من ذلك خمسة أسداس، وللناس سدس. ولقد شاركنا في السدس، حتى لهو أعلم به منّا.
وروى عِكْرَمَةُ عن ابن عبّاس أنّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قال لأمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا الحسن! إنّك لتعجّل في الحكم والفصل للشيء إذا سئلت عنه!
فأبرز عليّ كفّه وقال له: كم هذا؟ فقال عمر: خمسة!
فقال (أمير المؤمنين): عجّلت يا أبا حفص!
قال (عمر): لم يَخْفَ عَلَيّ؛ فقال عَليّ: أنا أسرع فيما لا يخفى عَلَيّ.[16]
وَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ شَيءٌ (على عمر) ونَازَعَ عَبْدَ الرّحْمَنِ فَكَتَبَا إلَيْهِ أن يَتَجَشَّمَ بِالحُضُورِ. فَكَتَبَ إلَيْهِمَا: العِلْمُ يُؤْتَى ولَا يَأتِي. فَقَالَ عُمَرُ: شَيْخٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وأثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ يُؤْتَى إلَيْهِ ولَا يَأتِي، فَصَارَ إلَيْهِ فَوَجَدَهُ مُتَّكِئَاً عَلَى مِسْحَاةٍ (كان مشغولًا في مزرعة له خارج المدينة) فَسَألَهُ عَمَّا أرَادَهُ فَأعْطَاهُ الجَوَابَ.
فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ عَدَلَ عَنْكَ قَوْمُكَ وإنّكَ لأحَقُّ بِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ مِيقَاتَاً.[17]
وروى يونس عن عُبَيْد، قال: قال الحسن: إنّ عمر بن الخطّاب قال: اللَهُمَّ إنّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَضِيهَةٍ[18] لَيْسَ لَهَا عَلِيّ عِنْدِي حَاضِرَاً.[19]
وورد في «الإبَانَة» لابْنِ بَطَّة أنّ عمر كان يقول في (مسألة تُعصى عليه) ويسأل عنها علياً، (فيجيبه) ويفرّج عنه: لَا أبْقَانِيَ اللهُ بَعْدَكَ![20]
وفي تاريخ البلاذريّ: لَا أبْقَانِيَ اللهُ لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبُو الحَسَنِ.[21]
وجاء في «الإبانة» و«الفائق»: أعُوذُ بِاللهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أبُو حَسَنٍ.[22]
وقد ظهر رجوعه إلى عليّ عليه السلام في ثلاث وعشرين مسألة حتى قال: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.[23]
[1] الآية 56، من السورة 30: الروم.
[2] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 257، الطبعة الحجريّة.
[3] الآية 43، من السورة 13: الرعد، وتحدّثنا بصورة وافية عن تفسير هذه الآية الكريمة في الجزء الرابع من كتابنا هذا، في الدرسين الثاني والخمسين والثالث والخمسين.
[4] ( 3 و4) «المناقب» ج 1، ص 258.
[5] ( 3 و4) «المناقب» ج 1، ص 258.
[6] الآية 43، من السورة 13: الرعد.
[7] «المناقب» ج 1، ص 258.
[8] «المناقب» ج 1، ص 258.
[9] «المناقب» ج 1، ص 258 و259.
[10] نفس المصدر.
[11] نفس المصدر.
[12] نفس المصدر.
[13] ( 1 إلى 3) «المناقب» ج 1، ص 258 و259.
[14] ( 1 إلى 3) «المناقب» ج 1، ص 258 و259.
[15] ( 1 إلى 3) «المناقب» ج 1، ص 258 و259.
[16] «المناقب»، ج 1، ص 259.
[17] «المناقب»، ج 1، ص 259.
[18] قال في التعليقة: قال المجلسيّ في بيان ما نقله في كتاب «بحار الأنوار»: العضيهة: البهتان والكذب. وهذا غريب. والمعروف في ذلك المعضلة. ثمّ ذكر قول الجزريّ في «النهاية»: ومنه حديث عمر: أعوذ بالله من كلّ معضلة ليس لها أبو الحسن عليه السلام، إلي آخر كلامه فيها. ثمّ قال المعلّق: العضيهة هذه فعيلة من العضة بمعني البهت وأصل اللفظ عضهة فحذفت الهاء كما حذفت من السنة، كما ذكره في «النهاية». وورد في حديث البيعة: لا يعضه بعضنا بعضاً، أي: لا يرميه بالعضيهة، وهي البهتان والكذب. ولم أظفر بغير الجزريّ يذكر استعمال هذا اللفظ علي هذه الزنة حتى الفيروزآباديّ انتهي. أقول: قال في «القاموس»: عَضَهَ علي وزن مَنَعَ عَضْهاً: كَذِبَ.
[19] «المناقب» ج 1، ص 259.
[20] نفس المصدر.
[21] نفس المصدر.
[22] ذكر ابن عساكر هذا الحديث في «تاريخ دمشق» تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام، ج 3، ص 39، الحديث رقم 1071.
[23] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 260.