أعلم مقدار الحساسية في طرح مثل هذه المواضيع ولذلك سأسهب في هذه النقطة كي تتضح الفكرة تماماً ولا يساء فهمها وسأشرح الفكرة من قصة النسبية مع مبادئ نيوتن كما قلنا سالفاً أن الفكر ابن بيئته وعصره، والعلوم تولدها الأفكار فكلا الأمرين يتفاعلان مع بعضهما البعض وينتج كل منهما الآخر.
فقبل أن يُكتشف أن الأرض تدور وأنها ليست مركز الكون، كان الاعتقاد السائد في كل أنحاء العالم أن الأرض ثابتة لا تدور، وبالتالي فإن قال بهذا القول جهابذة عصورهم فهذا أمر معقول مقبول لأن المرء يتأثر ببيئته وعلوم عصره ومعارفه في طرح أفكاره، وهو إن قفز بها فلن يقفز بعيداً مهما شطح به الفكر وجال به الإبداع، ولأن أقرانه في عصره سينكرون عليه، وبالتالي فإن قفزته ولو كانت نوعية وبعيدة وموفقة فتظل بالنسبة لعصرها وأوانها فاكتشاف النار مثلاً كان أعظم اكتشاف لأزمان بعد اكتشافها لكن إذا قارنته بالعلوم التي وصلنا لها في القرن الحادي والعشرين تجدها أمراً بسيطاً جداً قد لا تعيره انتباهك.
وفي عصر نيوتن كانت العلوم والمعارف بالقدر الذي قدم فيه نيوتن نظريته ووضع قوانين الفيزياء التقليدية وكانت قفزة نوعية استمرت إلى عصر النظرية النسبية
فقوانينه ظلت مرجعاً للعلماء في عصره وفي المائتي سنة التالية، وتلاءمت مع المعارف التي توصلت لها البشرية حينها، فهي ليست باطلاً محضاً لكنها تتكلم عن جانب من الفيزياء، وجاء آينشتاين فصحح بعض المفاهيم وعدل البعض الآخر وقدم قوانين أكثر دقة وأوسع في الكون فالحق كان مع نيوتن نسبياً وهو مع آينشتاين نسبي أيضاً فقد يأتي من يعدل أو يصحح بعض ما جاء في نظريته قد يقول قائل: أن هذا الكلام صحيح لكنه ينطبق على العلوم التطبيقية ولا ينسحب على العلوم الدينية ولا يمكن تطبيقه على الدين نفسه!!
وذلك بسبب اللبس المتكرر من الخلط بين النص المقدس (الدين) الموحى به من لدن العليم الخبير، وبين الجهد البشري الذي تفاعل ويتفاعل مع هذا النص.
فعلوم الشريعة كلها (العقيدة) - الفقه - الجرح والتعديل - علم الرجال - أسباب النزول - التفسير - علوم اللغة - أصول الفقه ..... كلها جهود بشرية نتيجة تفاعل العقل البشري مع النص المقدس فنحن في حياتنا اليومية نتعامل مع هذه العلوم ولا نتعامل مع النص المقدس بمفرده إلا في النصوص واضحة الدلالة التي لا تحتاج إلى جهد بشري لشرحها، ومع ذلك ترى الجهد البشري يتدخل بها في الربط بينها وبين أمور أخرى.
فلولا إخضاع آينشتاين لمبادئ نيوتن لمحكمة الدليل والبرهان لما ولد العصر الجديد، ولما حدثت الثورة التقنية، ونحن بحاجة أن نخضع تراثنا الجهد البشري الذي تفاعل مع النص لمحكمة الدليل والبرهان ونستعمل أدوات العصر في تلك المحاكمة، وإلا فسنظل عالقين في فجوتنا الحضارية نراوح مكاننا وركب الحضارة يمضي ولن يقف لأجل أحد.