التعريف بترك زراعة الأراضي الزراعية وأسبابه
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص71-74
2026-08-02
27
أولاً - التعريف بترك زراعة الأرض الزراعية - الترك في المفهوم اللغوي يعني : تَرَكَ تَرْكاً و تركاناً، و أتركه يعني خلاه، أهمله أغفله (1) ، ويقابلها في القانون المصري فضلاً عن مصطلح ترك الأرض، مصطلح (التبوير)، والتبوير في اللغة: يعني بور فعل بور يبور تبويراً فهوم مبور، والمفعول مبور، والبُورُ : الأَرض الَّتِي لَمْ تُزْرَعُ ، جَمْعُ البَوارِ، وَهِيَ الأَرض الْخَرَابُ الَّتِي لَمْ تُزْرَعْ ، فيقال: أَرضِ بَائِرَةٌ مَتْرُوكَةً مِنْ أَن يَزْرَعَ فِيهَا (2).
وقد استعمل المشرع المصري في قانون الزراعة المصطلحين معاً: (ترك الأرض غير منزرعة) و (التبوير) (3)، ولكن من دون إيراد تعريفاً لهما، وكذلك لم يورد المشرع العراقي تحديداً لمفهوم الترك (4)، رغم معالجته لظاهرة ترك الأراضي الزراعية بنصوص متعددة، إلا أنه أورد صوراً لهذا الترك أو الإهمال، فاستعمل المشرع العراقي عبارات مختلفة تدل على الترك، مثل كلمة (انقطع)، ومثالها ما ورد في قانون الإصلاح الزراعي، إذ جاء فيه: " يُعاقب بالحبس ... كل من انقطع بدون عذر صحيح قانوناً عن زراعة الأرض الخاضعة للاستيلاء (5) ، واستعمل أيضا لفظ (لم يزرعها) كعبارة دالة على ترك الأرض الزراعية بصورة غير مباشرة (6). وكذلك استعمل عبارة (امتنع) و (اهمل) وهذا ما نصت على ذلك الفقرة (الأولى) من المادة (4) من قانون حماية الإنتاج بقولها: " اذا اهمل أو امتنع صاحب الأرض الزراعية أو البستان أو المسؤول عن أدارتها عن حراثة الأرض وزراعتها أو العناية بها، دون عذر مشروع..." .
أما من جانب الفقه، فقد وردت عدة تعريفات لمفهوم ترك زراعة الأرض، استعمل الفقه فيها كلا المصطلحين، وقد جمع بعضهم بينهما بالتعريف نفسه، فهناك من عرف ترك زراعة الأرض بقوله: " ترك الأرض الزراعية من دون زراعة يعني تبويرها (7) ، في حين يرى آخر التبوير من زاوية إيجابية فيعرفه بأنه تقسيم يحدث للأرض وذلك بتقسيمها إلى قسمين يزرع القسم الأول منها، ويترك الثاني دون الزراعة بقصد الراحة (8) ، وذهب بعضهم إلى تعريف ترك زراعة الأرض من زاوية جنائية فعرف جريمة ترك الأرض الزراعية من دون زراعة بأنها : " تأثر الدور الإنتاجي للأرض الزراعية و إضعاف كفاءتها الإنتاجية من خلال المساس بخصوبتها بالرغم من صلاحيتها للزراعة و توافر جميع المستلزمات الزراعية والإرواء ومن دون عذر قانوني(9).
ومما تجدر الإشارة إليه إنَّ مصطلح التبوير في مصر يدل على الحاق الضرر بالأرض الزراعية، في حين لا تدل على ذلك في العراق، وإنما تعني ترك جزء من الأرض من دون زراعة للراحة، أما مصطلح ترك الزراعة فهي لا تعني في اغلب الحالات فعلا يستوجب الجزاء، فالجزاء على الترك لا يمكن إنَّ يتصور إلا مع وجود عنصر من عناصر الخطأ كالإهمال، وعلى هذا الأساس يرى الباحث أن يصطلح على ترك زراعة الأرض من دون عذر مشروع، بـ (إهمال زراعة الأرض)، وبهذا يمكننا تعريف إهمال زراعة الأرض بأنه ترك زراعة الأرض كليا أو جزئيا من دون عذر مشروع مدة من الزمن يحددها القانون".
ثانيا - أسباب ترك زراعة الأرض الزراعية - تتعدد وتتنوع الأسباب المؤدية إلى ترك زراعة الأرض، فهناك أسباب غير إرادية (مشروعة ) يعدها القانون أعذار صحيحة تستوجب عدم المحاسبة على الترك، ومنها ما هو غير مشروع، يرتب عليه القانون أثرا يختلف باختلاف القوانين يتراوح بين التجريم وبين الجزاء المدني أو الإداري، وعلى أي حال يمكننا إجمال الأسباب المؤدية إلى الترك في النقاط الأتية:
1- انقطاع أو شحة الحصة المائية المخصصة للاراضي الزراعية أو البساتين(10)، وضعف المورد الاقتصادي للأرض بالنسبة لأوجه الدخول الأخرى، ولاسيما مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات (11).
2- عدم قدرة أصحاب الأرض، وخصوصا مالكيها وأصحاب حق التصرف فيها على استغلالها من جهة، والتخوف من الدخول في علاقات زراعية مع طرف آخر يتولى زراعتها تجنباً للقيود التي يفرضها القانون كما في القانون الزراعي المصري كالامتداد القانوني للعلاقة الزراعية، وتحديد أنصبة كل من الطرفين في الحاصل بقواعد قانونية أمره من جهة أخرى(12).
3- وكذلك يُعد من الأسباب القوية التي تدفع أصحاب الأرض إلى ترك زراعتها؛ هو ارتفاع قيمة الأراضي لاستغلالها لأغراض غير زراعية على الرغم من منع القانون ذلك، إذ أن أغلب أصحاب الأرض وأولادهم من قد يمتهنون مهناً أخرى غير الزراعة، ويسكنون المدن، ولم تعد الأرض بالنسبة إليهم إلا إدخاراً يلوذون به، كلما ضاقت بهم السبل (13) .
4- ظروف شخصية - فقد يكون ترك استغلال الأرض بسبب ظروف شخصية تحيط بالمزارع، ومنها على سبيل المثال مرض صاحب الأرض بالصورة التي لا يستطيع معه زراعة الأرض، وتجدر الإشارة إلى أن المرض وأن كان في الغالب يعد من قبيل الأعذار المشروعة التي من شأنها أن تعفي تارك زراعة الأرض من المسؤولية المترتبة على الترك، إلا أن الأمر يجب أن لا يحمل على أطلاقه في الحالات جميعها، فهناك التزامات تقع على المزارع حتى في حالة المرض، وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية في مصر في احدى أحكامها (14) بقولها: "... وان المخالفة المنسوبة لهذا المنتفع (الموزع عليه) والتي بني عليها قرار اللجنة ثابتة في حقه، إذ اقر ورثته في صحيفة دعواهم أمام محكمة أول درجة في تقرير الطعن بأن مورثهم ترك الأرض دون زراعة، متعللين في ذلك بمرضه وهو امرأ لا يجدهم نفعا في هذا الصدد، إذ كان بوسعه إبلاغ الجمعية التعاونية بهذا المرض الذي الم به، ليتسنى لها أجراء اللازم ...".
5- مشاكل أمنية وعشائرية أدت الظروف الأمنية المعروفة في العراق ولاسيما في المناطق التي احتلتها عصابات داعش الإجرامية؛ إلى ترك العديد من الأراضي الزراعية من دون زراعة، ولاشك بأن الظروف الأمنية تعد من قبيل القوة القاهرة، وبالإضافة إلى ذلك هناك ظروف عشائرية تتسبب في ترك زراعة الأرض وتختلف شدتها من حالة إلى أخرى، ولهذا يقع على عاتق الإدارة التحقق من وقوعها ومدى تأثيرها على منع صاحب الأرض من زراعتها، فقد يحتج بها كذرائع لعدم الزراعة، في حين عدم وجودها على ارض الواقع أو عدم تأثيرها .
6- اهمال وعدم الحاجة - ويحدث أحياناً تترك الأرض لعدم حاجة صاحبها، وإنما يشتري الأرض بقصد التفاخر والتباهي لا لحاجة إلى مواردها، إذ قد يكون لديه موارد أخرى تدر عليه أرباحاً طائلة.
______
1- ينظر كرم البستاني و آخرون ، القاموس المنجد في اللغة ، ص 61 .
2- ينظر محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري، لسان العرب، المجلد الرابع ، ط3، دار صادر، بیروت ، 1414هـ ،ص86-87.
3- ينظر في ذلك المادة (151) من قانون الزراعة المصري التي تنص على انه يحظر على المالك أو نائبه أو المستأجر أو الحائز للأرض الزراعية بأي صفة ترك الأرض غير منزرعة ...... كما يحظر عليهم ارتكاب أي عمل أو الامتناع عن أي عمل من شانه تبوير الأرض الزراعية أو المساس بخصوبتها".
4- من الجدير التنويه بأن المقصود بالترك هو ترك زراعة الأرض، ولا يدخل ضمنها مصطلح (الأراضي المتروكة) ،وهي صنف من أصناف الأراضي التي عرفها المشرع على أنها " هي العقارات العائدة للدولة و المخصصة لأغراض المنفعة العامة أو لمنفعة أهالي قرية أو قصبة معينة ".
5- ينظر الفقرة (الثالثة) من المادة (47) من قانون الإصلاح الزراعي العراقي النافذ .
6- تنص الفقرة (ب) من المادة (13) من قانون الإصلاح الزراعي العراقي النافذ على انه كل أرض زراعية مفوضة بالطابو أو ممنوحة باللزمة أو موقوفة وقفاً غير صحيح يثبت أن صاحبها لـم يزرعها بنفسـه أو بغيره موسمين متتاليين بعد نفاذ هذا القانون دون عذر قانوني تعتبر محلولة ......
7- ينظر محسن عبد الحميد البيه القانون الزراعي و حماية البيئة الزراعية، مكتبة الجلاء الجديدة، القاهرة، 2006، ص 456.
8- ينظر أياد العقرباوي راي منشور على الموقع ujeeb.com في 25 فبراير 2009 تاريخ آخر زيارة
9- ينظر ثامر رمضان أمين الحماية الجنائية لملكية الأراضي الزراعية (دراسة مقارنة)، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية القانون جامعة بابل ، 2014، ص 79
10- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017، ص109.
11- ينظر د. محمد حسین منصور، اصول القانون الزراعي منشأة المعارف الاسكندرية 1996 ، ص 268.
12- ينظر عدنان أحمد ولي العزاوي، في القانون الزراعي، مطابع جامعة الموصل ، 1990، ص90. وينظر كذلك د. محمد حسین منصور، اصول القانون الزراعي منشأة المعارف الاسكندرية 1996 ، ص 269.
13- ينظر د. د. نبيل إبراهيم سعد القانون الزراعي، منشأة المعارف ، ص307.
14- حكم المحمة الإدارية العليا في ، ر في الطعن رقم (3084) ، لسنة 35 ق جلسة 19_يناير_1993 ، مجلس الدولة، المكتب الفني ، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية، السنة ،38، ج 1، ص 542 ، منشور على الأنترنيت في موقع بوابة مصر للقانون والقضاء وعلى الموقع الإلكتروني www.laweg.net تاریخ اخر زيارة 2021/2/20.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المدني
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة