الرقابة المالية على الموازنة العامة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 155-159
2026-08-27
92
تعد محكمة المحاسبات الفرنسية الهيئة المستقلة التي تمارس الرقابة على الموازنة العامة للدولة. فقد عرفها القانون الصادر في 22 حزيران 1967 في مادته الأولى بأنها المحكمة التي (تفصل في حسابات المحاسبين العموميين وتساعد البرلمان والحكومة في رقابة تنفيذ الموازنة العامة)(1)، لذا يتضح مما تقدم أن اختصاصات محكمة المحاسبات هنا هو اختصاصات موضوعية تتعلق بموضوع إدارة الأموال العامة ولا تتعلق بالأشخاص انفسهم، وإلى جانب هذا الاختصاص القضائي للمحكمة المحاسبات الفرنسية، فإن هذه المحكمة تقوم باختصاص اداري يتمثل بالصلاحيات التي تمارسها المحكمة على الصرافين أو على الأشخاص الذين اسهموا في نشأة دين من ديون الدولة، ويمتد هذا الاختصاص ليشمل الرقابة على حسابات الموازنة العامة والمشروعات العامة (2) . وفي مصر فقد اشرنا سابقاً إلى أن الجهاز المركزي للمحاسبات يعد هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية عامة تتبع مجلس الشعب (3)، ويمارس الرقابة والتدقيق على أموال الدولة للتأكد من سلامة إجراءات تحصيلها وصرفها والتحقق من مدى الالتزام بالقوانين واللوائح حيث تمتد رقابته إلى جميع أموال الدولة والاعمال التي تقوم بيها مختلف المؤسسات العامة وما يندرج تحت اشرافها من شركات ومنشئات تتملكها الحكومة ملكية كاملة (4)، وهذا ما أشار إليه المشرع الدستوري المصري، فقد نصت المادة (219) من الدستور المصري لسنة 2014 إلى أن ( يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات الرقابة على اموال الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة، والجهات الأخرى التي يحددها القانون ومراقبة تنفيذ الموازنة العامة للدولة والموازنات المستقلة، ومراجعة حساباتها الختامية).
وأما في العراق يعد ديوان الرقابة المالية إحدى الهيئات المستقلة (5)، إذ يمارس مهامه وصلاحياته من خلال قانون الديوان رقم (31) لسنة 2011 المشار إليه سابقاً، والنظام الداخلي له (6)، اللذين اشارا بشكل واضح ومفصل إلى مهام وصلاحيات الديوان وجعله الجهة المسؤولة عن الرقابة والتدقيق المركزي على جميع الجوانب المالية في المؤسسات ودوائر الدولة والقطاع العام أو أية جهة ينص القانون على خضوعها لرقابة وتدقيق الديوان (7).
إذ يقوم الديوان بفحص وتدقيق عمليات الانفاق العام للاستيضاح من سلامتها وعدم تجاوزها الاعتمادات المقررة لها في قانون الموازنة العامة، وايضاً التأكد من أن الأموال العامة قد صرفت واستخدمت في الأغراض المخصصة لها، وعدم حصول تبذير أو سوء تصرف في هذه الأموال من شأنه أن يضعف الثقة في المالية العامة للدولة(8).
بالإضافة إلى ذلك فإن الديوان يراقب الإيرادات العامة من خلال فحص وتدقيق معاملات تخمين هذه الموارد وجبايتها للتأكد من ملائمة الإجراءات المعتمدة وسلامة تطبيقها (9)، كذلك يتولى الديوان إبداء الرأي في القوائم والبيانات المالية والتقارير التي تتعلق بنتائج الاعمال والأوضاع المالية للهيئات الخاضعة للرقابة والتأكد ما إذا كانت هذه القوائم قد تم تنظيمها وفقا لمتطلبات القانونية والمعايير المحاسبية المعتمدة وتعكس حقيقة المركز المالي في الدولة (10)، فضلا عن ذلك فإن للديوان دور في تقويم أداء الجهات الخاضعة للرقابة التي تشمل إجراء التقويم للجهات الخاضعة لرقابة الديوان الواردة في الخطة السنوية، وكذلك البحث في القوانين والأنظمة المالية النافذة من أجل زيادة كفاءتها وفاعليتها، وأيضا تتضمن رقابته في تقويم الخطط المالية والتنموية للدوائر والجهات الخاضعة لرقابته (11) . ولكي يتمكن الديوان من القيام بهذه المهام فقد أعطاه قانون مجموعة من الصلاحيات التي اشارت اليها المادة (13) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31)
لسنة 2011 التي تمكن الديوان من القيام بتلك المهام بكل سهولة، إذ له حق الاطلاع على كافة الوثائق والسجلات والمعاملات المتعلقة بالرقابة المالية والحصول على جميع الإيضاحات والمعلومات والاجابات من المستويات الإدارية والفنية المعنية وتدقيق البرامج السرية والنفقات المتعلقة بالأمن الوطني (12)، إلى جانب سلطاته في الضبط الإداري (13).
كما يتولى الديوان إضافة لمهامه الأخرى الأشراف على دواوين الرقابة المالية في الأقاليم (14) إذ نصت المادة (28/ رابعاً) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011 على صلاحية الديوان في مراجعة التقارير الرقابية الصادرة عن تلك الدواوين وله حق توحيدها في تقريره على مستوى الدولة كما له صلاحية تنسيق الاعمال الصادرة منه مع أعمال دواوين الرقابة في الأقاليم وتنسيق عمل دواوين الرقابة المالية في الأقاليم فيما بينها وفقاً لآليات وضوابط يعتمدها ويقرها مجلس الرقابة المالية.
لذا يتضح لنا مما تقدم أن رقابة الهيئات المستقلة في فرنسا هي رقابة قضائية وقد نظمت على شكل محكمة قضائية، أما في مصر والعراق فقد اخذت تلك الهيئات بالرقابة الإدارية، وتستهدف تلك الهيئات من خلال ممارسة مهامهما الرقابية وصلاحياتها إلى المحافظة على المال العام من الهدر أو التبذير أو سوء التصرف وضمان كفاءة استخدامه على أساس أن المال العام هو عمود الموازنة العامة وقاعدتها الاساسية والرصينة، كما تعد تلك الرقابة صمام أمان للدولة في المحافظة على كيانها وهيبتها واستقرارها الاقتصادي وقياس مدى تطورها، من خلال ترشيد نفقاتها ومراقبة أساليب الصرف، مستهدفة من ذلك حماية وتعزيز الثقة في ماليتها.
___________
1- Voy. Loi n° 67 du 22 juin 1967 relative à la cour des comptes, Journal officiel français 99e année n° 145, 23 juin 1967, p. 6211.
2- في تفصيل ذلك ينظر: د. احمد دلاور احمد المرجع السابق، 327 وما بعدها. وينظر ايضا/ حامد جسوم حمزة عطية الدعمي، دور ديوان الرقابة المالية الاتحادي في حماية المال العام (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية القانون جامعة بابل، 2015، ص 22.
3- ينظر : المادة (1) من قانون الجهاز المركزي للمحاسبات في مصر رقم (144) لسنة 1988 المعدل.
4- ينظر : المادة (5) من قانون السابق ذاته.
5- ينظر : المادة (103) (اولاً) من دستور جمهورية العراق لعام 2005.
6- ينظر : النظام الداخلي لديوان الرقابة المالية الاتحادي رقم (1) لسنة 2012 ، المنشور في جريدة الوقائع العراقية، العدد 4265 ، بتاريخ 28/ 1 / 2013.
7- ينظر: سهاد عبد الجمال عبد الكريم، الرقابة المالية المستقلة في التشريع العراقي، بحث منشور في مجلة الرافدين جامعة الموصل، مجلد 14 ، العدد 51 ، 2011، ص 160 161.
8- ينظر : المادة (6/ أولا /أ) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011.
9- ينظر : المادة (6/ أولا /ب) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011.
10 - ينظر : المادة (6/ أولا /ج) من قانون ديوان الرقابة المالية رقم (31) لسنة 2011.
11- ينظر : د. احمد عبد جابر الكفيشي، التنظيم القانوني للرقابة المالية العليا على الأموال العامة في العراق ولبنان، ط1، مكتبة زين الحقوقية والأدبية، بيروت - لبنان، 2020، ص 104.
12- ينظر : المادة (13/ أولا /ثانيا ) من قانون ديوان الرقابة المالية الاتحادي رقم (31) لسنة 2011.
13- لقد اشار قانون ديوان الرقابة المالية الى سلطات ديوان الرقابة في مجال الضبط الإداري، حيث اشارت المادة (15) الى سلطاته في الإحالة، واشارت المادة (16) الى سلطاته في التبليغ اما عن سلطاته في اجراء التحقيق الإداري فقد اشارت اليها المادة (28/ خامساً). لمزيد من التفاصيل حول هذه السلطات ينظر: د. احمد عبد جابر الكفيشي، التنظيم القانوني للرقابة المالية العليا على الأموال العامة في العراق ولبنان، ط1، مكتبة زين الحقوقية والأدبية، بيروت - لبنان، 2020، ص 105 وما بعدها.
14- لا يوجد في العراق دواوين الرقابة المالية في الأقاليم سوى ديوان الرقابة المالية لإقليم كوردستان، والذي تأسس بموجب قانون رقم (14) لسنة 2000 ، ولهذا الديوان صلاحيات رقابية تقويمية وحسابية لاحقة، ولكن هذا الديوان لا يمتلك سلطة التحقيق الإداري لمزيد ينظر: سيروان عدنان ميرزا الزهاوي الرقابة المالية على تنفيذ الموازنة العامة في القانون العراقي، منشورات الدائر الإعلامية في مجلس النواب العراقي ،بغداد، 2008، ص146 وما بعدها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة