رقابة القضاء الإداري في حماية الثقة المالية للدولة
المؤلف:
زهراء علي عبد الواحد الفتلاوي
المصدر:
سلطة الإدارة في حماية الثقة المالية للدولة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 150-155
2026-08-27
91
إن القضاء الإداري يسعى من خلال رقابته على المسائل المتعلقة بالمالية العامة للدولة الى تطبيق القواعد القانونية المالية وتفسيرها تطبيقاً يكاد يكون متسماً بالدقة، على أساس أن المراكز القانونية المالية مضبوطة بقواعد قانونية ،امرة وهذا لما للمال العام من أهمية كبيرة وضرورية لسير الحسن للمرافق العامة (1) ، لذا سنتناول في هذا الموضوع رقابة القضاء الإداري في فرنسا ومصر في الفقرة الأولى، في حين سنتناول في الفقرة الثانية إلى رقابة القضاء الإداري في العراق، وكما يأتي:
أولا: رقابة القضاء الإداري في فرنسا ومصر :
يعد القضاء الإداري قضاء المشروعية إذ يهدف إلى التحقق من مطابقة التصرفات المالية للإدارة العامة، مع القواعد القانونية التي تنظمها، لذا يعد إحدى الضمانات الأساسية المهمة لعموم للأفراد مواطنين كانوا ام اجانب ام موظفين لحمايتهم من تعسف الإدارة وسوء استخدامها لسلطتها (2)، عن طريق إلغاء القرارات الإدارية المعيبة او المتعسفة او التعويض عنهما أو كليهما.
يتكون القضاء الإداري في فرنسا من مجلس الدولة الفرنسي والمحاكم الإدارية والمحاكم الاستئنافية، إذ يعد مجلس الدولة الداعم الجوهري للقضاء الإداري، ليس لأنه ينشأ المبادئ والنظريات في القانون الإداري، بل كونه ينظم الى جانب وظيفته القضائية وظائف أخرى ذات طابع اداري (3).
ويعد مجلس الدولة الفرنسي مهد القضاء الإداري في فرنسا وبما أن للنشاط المصرفي من دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأي بلد، إذ يعد النشاط المصرفي القائم على أساس الثقة والائتمان ضرورة حتمية لتطوير النشاط الاقتصادي وتعزيز الثقة في المالية العامة للدولة، وتبعاً لذلك تجلت أهمية إطلاق الحوافز الفردية وتدعيم ثقة الافراد في المؤسسات الاقتصادية التي يتركز دورها في خدمة الاقتصاد ككل، مما دعا قضاء مجلس الدولة في فرنسا إلى بسط حمايته على المؤسسات الائتمانية ومنها البنوك حيث قرر بأن مجرد رفض تقديم المعلومات المطلوبة في المادة (563-1) من قانون النقد والمالية (4)، كافياً لتوقيع الجزاء، ودون الاستناد إلى حسن النية(5). وفي حالة ما إذا تم إدراج اسماء اشخاص غير مسموح بظهورهم في سجلات البنك واوراقه فإن المشرع الفرنسي يعاقب مدير البنك الذي يسمح بذلك (6) . لذا فإن مجلس الدولة الفرنسي يمارس اختصاصه الرقابي على كافة المؤسسات الاقتصادية والمالية للتأكد من سلامة تطبيق القانون وعدم الانحراف فيه.
أما في مصر يتمثل القضاء الإداري، بمحكمة القضاء الإداري التي تعد جزء من القسم القضائي لمجلس الدولة المصري، وتختص هذه المحكمة بالفصل في المسائل المنصوص عليها في المادة (10) من قانون مجلس الدولة رقم (47) لسنة 1972 ، عدا ما تختص به المحاكم الإدارية والمحاكم التأديبية، كما تختص محكمة القضاء الإداري في الطعون التي ترفع اليها عن الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية ومن التطبيقات العملية في هذا الجانب، تصدى القضاء الإداري في مصر، للقرارات والإجراءات التي تتخذها سلطات الدولة، والتي من شأنها اهدار ثروات واموال الدولة وعوائدها والتي يؤدي حسن استعمالها الى ارتفاع في دخول المواطنين المصريين وتحسين مستوى معيشتهم والخدمات التي تؤديها الدولة لهم، إذ بينت محكمة القضاء الإداري في حكمها أنه يتم بيع الغاز الطبيعي المصري بثمن لا يتناسب مع السعر العالمي السائد، ومن شأن ذلك هدر جزء من ثروات مصر وعوائدها، وقد قضت المحكمة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه قائماً ومتوافراً على ركن الجدية والاستعجال (7).
ثانياً: رقابة القضاء الإداري في العراق:
أنشئ القضاء الإداري في العراق واصبح من دول القضاء المزدوج، بتأسيس محكمة القضاء الإداري سنة 1989 ، إذ نص المشرع على تشكيلها بموجب قانون التعديل الثاني لقانون مجلس الشورى الدولة رقم (106) لسنة 1989 ، الذي بموجبه أنشئ لأول مرة قضاء ادارياً إلى جانب القضاء العادي، ويعد مجلس الانضباط العام ومحكمة القضاء الإداري أول خطوة لتحول العراق من البلدان التي تأخذ بالقضاء الموحد إلى بلدان تأخذ بالقضاء المزدوج (8).
لذا يمثل مجلس الدولة القضاء الإداري في العراق الذي يتكون من عدة هيئات قضائية حيث تقف المحكمة الإدارية العليا على راسها (9)، إذ تختص المحكمة الإدارية العليا بالنظر في صحة القرارات الصادرة عن الإدارة، سواء المتعلقة بالوظيفة العامة التي تختص بالنظر فيه محكمة قضاء الموظفين أو القرارات الفردية والتنظيمية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في الوزارات والجهات غير مرتبطة بوزارة والقطاع العام التي لم يعين مرجع للطعن فيها التي تختص بالنظر فيه محكمة القضاء الإداري، وهذا هو الاختصاص القضائي لمجلس الدولة في العراق، كما يمارس المجلس الإفتاء والصياغة وإعداد ودراسة وتدقيق مشروعات القوانين وإبداء الرأي في الأمور القانونية للدوائر الدولة والقطاع العام (10).
ومن التطبيقات العملية التي تبين دور مجلس الدولة في حماية الثقة المالية للدولة، إن قضاء مجلس الدولة قد حرص على احترام مبدأ العدالة الضريبية الذي اشاره اليه دستور العراق لسنة 2005، إذ يقضي هذا المبدأ بعدم فرض أي ضرائب أو رسوم أو جبايتها أو الاعفاء منهما دون وجود سند قانوني (11) ، لذا عمل القضاء الإداري على إلغاء القرار إداري الذي يقضي بامتناع مدير التسجيل العقاري عن إعادة التسجيل العقار الموهوب باسم الواهب بعد صدور قرار قضائي بفسخ عقد الهبة الواقع على العقار إلا بعد دفع رسم التسجيل كاملاً فطعن الواهب بهذا القرار امام محكمة القضاء الإداري التي ذهبت إلى " ومما تقدم يتضح جلياً أن معاملة التسجيل العقاري الخاصة بالمدعي معاملة فسخ هبة وليس رجوعاً فيها ولعدم وجود نص في قانون الرسوم العدلية رقم 114 لسنة 1981 المعدل على استيفاء رسم عن تسجيل معاملة فسخ الهبة وحيث ان رسم التسجيل هو من قبيل الضريبة التي لا يجوز فرضها الا بنص إذ نصت المادة (28) من الدستور العراق لسنة 2005 على ( اولاً : لا تفرض الضرائب والرسوم ولا تعدل، ولا تجبى، ولا يعفى منها، الا بقانون ) ولما كان القرار الإداري المطعون فيه قد صدر بخلاف ذلك عليه قررت المحكمة الحكم بإلغائه" (12).
ونرى بأن القضاء الإداري قد حرص من خلال الغاء ذلك القرار على احترام مبدأ العدالة الضريبية الذي يحقق العدالة في توزيع الأعباء المالية العامة وهذا يؤدي حتماً إلى حماية الثقة المالية للدولة وتعزيزها.
_________
1- ينظر : د. عمر فرحاتي، مراد باهي دور القاضي الإداري في الرقابة على مالية الدولة، بحث منشور في مجلة الاجتهاد القضائي، جامعة محمد خضير بسكرة ، العدد 2 ، بلا سنة نشر، ص129.
2- ينظر: احمد ماهر صالح علاوي الرقابة القضائية على إجراءات افرض العقوبة الانضباطية في القانون العراقي (دراسة مقارنه) رسالة ماجستير مقدمة الى مجلس كلية القانون في جامعة بغداد، 2006، ص111.
3- ينظر : احمد عبد زيد حسن الصدام الشمري تنظيم واختصاصات القضاء الإداري في التشريع الفرنسي والمصري (دراسة مقارنة بحث منشور في المجلة القانونية جامعة القاهرة كلية الحقوق فرع الخرطوم، مجلد 6، العدد 3، 2019، ص150
4- ينظر : المادة (1-563.L) من المدونة النقدية والمالية الفرنسية المعدلة والمنشأة بموجب القانون رقم 99 - 1071 في ديسمبر 1999 والمتعلق بتفويض الحكومة في الشروع بواسطة اوامر في تبني الجانب التشريعي لبعض المدونات هذا القانون منشور في الجريدة الرسمية الفرنسية رقم 296 في 22 ديسمبر 1999 .
Loi n° 99-1071 du 16 décembre 1999 portant habilitation du Gouvernement à procéder, par ordonnance, à l'adoption de la partie Législative de certains codes.
5- ينظر : قرار مجلس الدولة الفرنسي رقم 256355 الصادر في 31 مارس 2004 قضية Nextup SA .
- Conseil d'Etat, 6ème et lère sous-section réunies, du 31 mars 2004, 256355, mentionné aux tables du recueil Lebon.
6- Frédéric Stasiak, Droit pénal des affaires, Librairie Générale de droit et de Jurisprudence (L.G.D.J., 2005, p. 178-179.
7- ينظر : حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 33418 لسنة 62 ق جلسة /11/18/ 2008 اشار اليه: اشرف عبد المنعم إبراهيم عبد الدايم دور القضاء الإداري في تعزيز سيادة القانون وامن المجتمع، منشور على الموقع الاتي : tanta.edu.eg)) تاريخ الزيارة 2024/2/27.
8- ينظر : د. غازي فيصل مهدي د. عدنان عاجل عبيد القضاء الإداري، ط3 ، مكتبة دار السلام القانونية النجف الاشرف 1439هـ 2017، ص 128 وما بعدها.
9- ينظر : المادة (7) (أولا) من قانون التعديل الخامس لقانون مجلس الدولة رقم (17) لسنة 2013، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4283 ، في تاريخ 2013/7/29
10- ينظر : المادة (4) من قانون التعديل الخامس لقانون مجلس الدولة رقم (17) لسنة 2013.
11- ينظر : المادة (28) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
12- ينظر: حكم محكمة القضاء الإداري بالعدد 43 / ق . أ / 1998 في 1998/6/4. نقلاً عن علي سلمان المشهداني، قواعد الاثبات في الدعوى الإدارية مكتبة السنهوري، بيروت، 2017، ص 365.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة