تشكل الخطوط الرئيسية لهندسة الدين الإلهي عناصر خطيرة ومهمة نظير «العدل والحرية» في المسائل الحقوقية والأخلاقيـة و«النظافة والطيب» في الأمور الصحية. وكما أن غضب الله يسير بإمامة رحمته ((تسعى رحمته أمام غضبه))(1)، فإن جميع البرامج الدينية في مختلف شؤون الحياة تُدوّن وتُعرض بزعامة ((العدل والحرية) من جانب و «الطهارة والطيب» من جانب آخر.
فقد روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ((إنّ الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم))(2). وإن الذي يُستنبط من هذا الحديث الشريف:
أولاً: إن للأصول البيئية من منظار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) صبغة ملكوتية والسبب من مراعاة الطهارة والطيب في البدن والمنزل ومحل العمل وفنـاء البيت والمكتب ومراكز الأبحاث و... هو أن الإنسان خليفة الله وعلى الخليفة أن يجعل سنة وسيرة المستخلف عنه سريرته وأن يكون محباً للنظافة والطيب لكونهما محبوبين عند الله.
ثانياً: إن الطيب ومراعاة النظافة يُلطّفان الروح، لأن روح الإنسان بجوار بدنه وإن التفاعل المتبادل بينهما معقول لدى الحكيم ومقبول عند الطبيب وفي ضوء طيب البدن وطهارته تقوى الروح الملكوتية ويتأتى لها الطيران إلى حيث المحل الأسمى.
ثالثاً: يتبين من خلال الغور في علم الحديث بأن الأمر المذكور مقترن بثلاثة أصول وهي العموم والدوام والإطلاق، بمعنى أنـه أمــر عــام ودائم وشامل فيتحتم على جميع الناس من النساء والرجال والشيوخ والشبان وفي جميع مراحل الحياة وأيام العمر ومن جميع الجهات بتطييب وتنظيف البدن والمنزل ومحل العمل وعدم تلويثها والمبادرة إلى تنظيفها إن تلوّثت تلقائياً. وإن مراعاة أصول الحقوق والوظائف هذه متقابلة بين جميع المواطنين ومتبادلة بين الحكومة والشعب أيضاً.
رابعاً: إن النسيم اللطيف الذي يمر على النواحي والأحياء الطيبة والمعطرة يأخذ بالعطر إلى شامّة المواطنين ويأتي إليهم برسالة الصدق والصفاء والوفاء، فإن مثل هذا الجو الطاهر العَطِر محبوب عند الله الجميل الذي يحب الجميل الذي يحب الجمال والطيب والعطر. ويمكننا أن نترنّم حول هذه الأرض الحية والنشيطة بهذا الشعر:
هبّ ريح الصبا ببشرى حلول موسم الطرب والسرور والابتهاج
وجاء فصل الربيع بانتشار العطور واخضرار الأشجار وتغريد الطيور
فعلى المرء أن يستبدل الاضطراب بالسكينة لأن ابتعاد الشيطان يؤول إلى نزول فيض الرحمن(3).
_______________________________
(1) الصحيفة السجادية، الدعاء 16.
(2) نهج الفصاحة، ج 2، ص 606.
(3) دیوان حافظ، الغزل 175.