إنَّ أول ظاهرة جديرة بالملاحظة في تاريخ الإنسان في بلاد الرافدين، هي التأثير المباشر للعوامل البيئية على الفكر الإنساني بوجهٍ عامٍّ، والفكر الديني بصفةٍ خاصةٍ.
فبيئة بلاد الرافدين في العصور القديمة، كانت بيئةً غير مستقرةٍ في كافة المجالات الجوية والمائية والأرضية، وقد نشأت عن ذلك حالةٌ من عدم الاطمئنان والقلق، ولذلك لجأ الإنسان العراقي القديم إلى البحث عن القوى التي تكفل له الاطمئنان والاستقرار في حياته، ومستقبله (1) وهكذا أثَّرت طبيعة أرض العراق الجغرافية تأثيرًا كبيرًا في نشأة وتطوُّر أول المعتقدات الدينية، وأول أنظمة الحكم والتقاليد الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من أنَّ دور الإنسان العراقي القديم كان كبيرًا وفعالًا في نشوء وتطوُّر تلك النظم والمعتقدات، إلا أنه كان للبيئة التي عاشها أثرٌ واضحٌ في توجيهه وإرغامه أحيانًا لاتباعِ سلوكٍ معيَّن أو نظامٍ معيَّن دون غيره.
وكان خوف الإنسان من الطبيعة وعنفها وقسوتها، وحذره من بطشها وتفاعله معها ذا أثرٍ كبيرٍ على نفسية الفرد، فكان متوقِّعًا للمفاجآت، حادَّ الطبع، مهتمًّا بحياته الدنيا دون الآخرة، وامتدَّ ذلك التأثير إلى معتقداته الدينية، فصوَّر وجسَّد القوى التي اعتقد بأنها كانت تسيطر على حياته وجعلها آلهةً تجب عبادتها والتقرُّب إليها (2).
ولو أننا تتبَّعنا أصولَ الفكر الديني في العراق القديم بدءًا من عصورِ ما قبل التاريخ، لوجدنا أنها كانت قد وضحت فيما خلَّفه لنا إنسان النياندرتال من مقابرَ آدميةٍ بلغ حدُّ الاعتناء بها أن زُوِّدت في كثيرٍ من الأحيان بشيءٍ من متاع الدنيا، أو الأجزاء الحيوانية، وإن دلَّ ذلك على شيءٍ فإنما يدُل على ظهور أولى بذور الدِّين وممارسة السِّحر الذي ظهر في طُرق دفن الموتى، وفيما خلَّفه إنسان النياندرتال من رسومٍ بدائيةٍ بسيطةٍ، وعليه فيمكن اعتبار السِّحر أولَ محاولةٍ من قِبل الإنسان للسيطرة على الطبيعة (3).
ولقد وصلت هذه المظاهر الدينية الأولى، إلى مداها العقائدي ابتداءً من العصر الحجري الحديث (4) ⋆ الذي يُعتبر بمثابة نقلة خطيرة في حياة الإنسان وبداية مرحلة مستقلة في تطوُّر فكره الديني. فلقد آمن الإنسان ابتداءً من مرحلة العصر الحجري الحديث إيمانًا قاطعًا بوجود القوى المتحكِّمة في الظواهر الطبيعية والمؤثِّرة تأثيرًا مباشرًا على إنتاجه الزراعي، وكانت أول ظاهرة تلفت الانتباه في هذا المجال ظاهرةَ إعطاءِ صفةٍ مقدسةٍ من وجهة نظر الإنسان القديم إلى تلك القوة الخفية، سواء أكانت إنسانيةً أو حيوانيةً أو نباتيةً أو غير ذلك.
وعلى ذلك يمكن القول إنَّ الفكر الديني في العصر الحجري الحديث كان بمثابةِ خطوةٍ حاسمةٍ في التطور نحو عقائدَ أكثرَ استقرارًا وتكاملًا في المراحل الحضارية التالية (5).
أما عن الفكر الديني في العصر الشبيه بالكتابي أو عصر فجر التاريخ (6) ⋆ فكان ذا نمطٍ معيَّن يختلف اختلافًا كليًّا عن مفهوم الفكر الديني المصري القديم؛ فقد اعتمد الفكر العراقي القديم على المقوِّمات البيئية والبشرية الخاصة والمميزة له، والتي اختلفت عن المقوِّمات البيئية والبشرية المصرية اختلافًا ملحوظًا. وقد أثَّر كلُّ ذلك على نوعيةِ الفكر الديني العراقي القديم؛ فبينما اتَّجه الإنسان المصري القديم إلى عقيدة الخلود للإنسان والآلهة، نجد أنَّ الإنسان العراقي القديم قد كرَّس تلك الصفةَ للآلهةِ فقط؛ لأنه لم يكن من اليسير على الإنسان العراقي القديم غير المطمئن على حاضره ومستقبله بسبب عدم انتظام البيئة المحيطة به أن يؤمن بالخلود والأبدية، بل ترك ذلك للآلهةِ فقط (7).
ولذلك … فمن الناحية الأثرية، نلمس عدمَ إعطاء الإنسان العراقي القديم الأهميةَ الأولى للمنازل الأبدية — أي المقابر — بل ركَّز اهتمامه على منازل الآلهة — المعابد — التي اعتقد أنها تستطيع أن توفِّر الأمن والطمأنينة له (8). ولم يمنعه ذلك من الاهتمام بالمقابر؛ فالموتُ هو الحقيقة الحتمية التي لا بد أن يواجهها أيُّ كائنٍ حيٍّ، سواء إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا، بل كانت له هيمنته وسيطرته ويده العليا على كلِّ ما هو على سطح الأرض (9). إلا أنَّ الموت لم يكن بذلك يشكِّل حدًّا فاصلًا وقاطعًا بين عالم الموتى وعالم الأحياء، بل كان هناك صلة، ظلَّت واستمرَّت حتى بعد الموت، تأكَّدت من خلالِ ما كان يقدَّم للموتى من قرابين وأضحياتٍ من قِبل الأحياء (10).
وهكذا لم يَنعم الإنسان بالخلود، بل كان تفكيره في هذا الصدد غامضًا، فقد آمن بوجودِ عالمٍ سفليٍّ وجهَّز مقابرَ للأفراد والملوك، ولكن ظلَّ الخلود مقتصرًا على الآلهة (11). وتشكَّلت بذلك العلاقةُ ما بين عالَم البشر وعالَم الآلهة، وتحدَّدت ووضحت من خلالِ ما كان يُقدَّم من قرابين وأضاحٍ حيوانيةٍ كانت تقدَّم أحيانًا للمتوفَّى، كي يقدِّمها للآلهة في العالَم السفلي؛ ليضمن حُسن معاملتهم له، ومن هنا برز الدور الحيواني في الفكرِ الدينيِّ لإنسان العراق القديم (12).
........................................................
(1) رشيد الناضوري، «المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتاريخ الحضاري والسياسي في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا»، بيروت 1969م، ص 104.
(2) فاضل عبد الواحد، عامر سليمان؛ «عادات وتقاليد الشعوب القديمة»، بغداد، 1979م، ص 8-9. طه باقر، «تاريخ العراق القديم»، ج1، بغداد، 1980م، ص23. عيد مرعي، «تاريخ بلاد الرافدين منذ أقدم العصور حتى عام 539 ق.م»، دمشق 1990م، ص13.
(3) طه باقر، «مقدِّمة في تاريخ الحضارات القديمة»، القسم الأول – تاريخ العراق، بغداد 1955م، ص36. عبد الجليل جواد، «متى وكيف ظهر الإنسان العاقل»، سومر، المجلد 28، ج1-2، 1969م، ص261. أحمد سعيد، «نشأة الديانة ما بين التَّرحال والاستقرار»، ص128.
(4) ⋆ اهتدى الإنسان في هذا العصر إلى الزراعة واستئناس الحيوان، وتبلورت فيه الاستقلالية الحضارية لكل المجتمعات الزراعية العراقية، وكما قضت العادة فإننا نسمي حضارات هذا العصر نسبةً إلى المواقع النموذجية التي مثَّلتها والتي ازدهرت على امتداد الألفين السادس والخامس ق.م.؛ إذ بدأ في مطلع الألف الخامس ما يُعرف بالعصر الحجري النحاسي الذي استمرَّ حتى منتصف الألف الرابع ق.م: فاضل عبد الواحد، مرجع سابق، ص11. سلطان محيسن، «المزارعون الأوائل»، ص 93، 102–103.
(5) رشيد الناضوري، مرجع سابق، ص32-33، 42.
(6) ⋆ امتدَّت تلك المرحلة الزمنية من 3600: 3100ق.م.، وعُرفت باسم فجر التاريخ في بلاد الرافدين، ومع الألف الرابع ق.م. كان ظهور الكتابة وبدء العصور التاريخية، فيما يُعرف بالعصر الشبيه بالكتابي، وقد حُدِّدت تلك الفترة ما بين 3500: 2800ق.م. ثم يأتي عصر فجر السلالات (3000: 2370 ق.م) ± (3200-2270 ق.م.) الذي يُعرف أيضًا ببداية عصر الأسرات أو السلالات في بلاد الرافدين.
(7) طه باقر، مرجع سابق، ص88. محمد عبد القادر محمد، «العلاقات المصرية العربية في العصور القديمة»، مصادر ودراسات – مستخرج من دورية كلية الآداب، العدد الأول، مايو 1979م، ص 15. فاضل عبد الواحد، مرجع سابق، ص13–14. أحمد سوسة، «تاريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء مشاريع الري الزراعية والمكتشفات الآثارية والمصادر التاريخية»، ج1، بغداد، 1983م، ص 167، 183. أحمد اراحيم هبو، «تاريخ الشرق القديم (1)، سوريا»، صنعاء 1993م، ص80، 41.
«كانت بلاد الرافدين تتعرَّض بصفة خاصة في الجنوب إلى زوابعَ تثير عدم الاستقرار البيئي، هذا بخلاف تقدُّم مياه الخليج العربي نحو الشمال، مما يهدِّد أمنَ وحياةَ الإنسان القاطن في القرى الأولى الناشئة على ضفاف المجاري المائية، وقد أثَّر كلُّ ذلك في نوعية الفكر الديني العراقي القديم».
(8) رشيد الناضوري، مرجع سابق، ص46–47.
(9) Lambert, W. G., “The theology of death” in: Alster, B., (edit.) Mesopotamia 8, Copenhagen, 1980, p. 53 .
(10) Skaist, A., “The ancestor cult and succession in Mesopotamia” in: Alster, B, Op. Cit., p. 123, Horwitz, V. A., The Mesopotamian god image, from womb to tomb” in: JAOS, vol. 123, 2003, pp. 147–157 .
(11) Jacobsen, T., “Death in the Mesopotamia, abstract” in: Alster, B., Op. Cit., p. 19 .
(12) Scurlock, J., “Animal sacrifice in ancient Mesopotamian religion” in: A history of the animal world in the ancient near east, ed. B. K. Collins, Leiden 2002, p. 389 .
شغَلت بلاد الرافدين منطقةً هامة كانت بمثابة الجسر الأرضي الذي يربط ما بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ولا شكَّ أنَّ هذا جعل نوعًا من التأثير والتأثُّر بينها وبين جيرانها، فكانت بذلك مسرحًا هامًّا لأحداث التاريخ القديم: Postage, J. N., Early Mesopotamia, New York, 1994, p .3; Shaw, I., Dictionary of archaeology, p. 395; Rice, M., Egypt’s making, p. 37.