كانت المَعْز من أول الحيوانات التي استُغلت بغرض الحصول على طعامٍ كغذاءٍ للإنسان (1)، بل ومن أول الحيوانات التي استأنسها الإنسان، ويؤكد Reed ذلك بقوله: «إنَّ هناك أدلةً ثابتةً تشير إلى أنَّ استئناس المَعْز حصل على أقل تقديرٍ في الزمن الذي تم فيه استئناس الكلب» (2).
دفنة المَعْز والنسور
كان الاهتمام بدفن المَعْز قد وضَح في بلاد الرافدين منذ العصرِ الحجريِّ الحديثِ؛ ففي كهف زاوي شيمي شانيدار (3) ⋆ عُثر على دفنةٍ هامةٍ ولافتةٍ للنظر، اشتملت على عظامٍ حيوانيةٍ وجماجم لحوالي خمس عشرة من المَعْز، بخلاف عظامٍ وريشٍ لنسورٍ وصقورٍ بلغت حوالي سبعة عشر طائرًا، فُصلت تلك العظام بعنايةٍ شديدةٍ ورُتِّبت بطريقةٍ مقصودةٍ (4).
ولا شكَّ أنَّ في الاهتمام بدفن النسور والصقور مع جماجم المَعْز، ما يدعو إلى التساؤل، فكيف استطاع سكان هذا الموقع أن يتمكنوا من الاحتفاظ بمثل هذا العدد من الطيور الضخمة الجارحة، وبمثل هذا العدد من الحيوانات معًا في نفس الوقت؟ وما الغرض من وراء تكلُّفِ مثل هذا العناء لإتمام تلك الدفنة؟ فلا شك أنَّ لذلك الأمر مغزاه الطقسيَّ الجنائزيَّ (5)، الذي حاول بعض الباحثين تفسيره، فربطوا بين تلك الدفنة، وبين الارتباط بطور الموت والعالم الآخر (6). ويتَّفق في ذلك كلٌّ من كوفان، وميلارت وشتريكا؛ إذ ربطوا ما بين النسر وطَور الموت والعالم الآخر، كأحد أطوار الإلهة الأم (7).
ولقد كانت المَعْز من أكثرِ الحيوانات المستخدَمة كأضحياتٍ حيوانيةٍ في العراق — طوال مراحل العصور التاريخية — وكانت تُقدَّم في العديد من المناسبات، تقرُّبًا للآلهة، كقربانٍ مقدَّسٍ (8). وهي في ذلك تشترك مع مصر وبلاد الشام.
ويرى Perkins أنَّ أناس زاوي شيمي شانيدار، كانوا أولَ مَن حرص على تقديم المَعْز كأضاحٍ حيوانيةٍ، وأنَّه كان لديهم نوعٌ من الطقوس الخاصة، المرتبطة بقتل الجزء الأعظم من صغار المَعْز كلَّ عامٍ، من أجل التقدُّم بها كأضاحٍ حيوانيةٍ، ضمانًا لاستمرار ووفرة الطعام (9).
هذا، ولقد كان لذلك الفكر الديني انتشاره الذي امتد خارج حدود بلاد الرافدين، وما كانت دفنةُ زاوي شيمي شانيدار إلا الدليل المبكِّر على تلك الطقوس الجنائزية (10).
هذا عن دور المَعْز في تلك الدفنة — أما عن النسور — فلقد جاء آنفًا كيف أنها ارتبطت بطور الموت، والعالم الآخر، والإلهة الأم (11)،⋆ ولقد تكرَّر العثورُ على أجنة وريش الطيور — لا سيما النسور — في مواقعَ عدة تُؤرَّخ بالعصر الحجري القديم الأعلى، من مثل ما جاء في كهف أم قطفة، وكسار عقيل، والحجار؛ إذ عُثر في هذه الكهوف على دفناتٍ اشتملت على ريشٍ وعظامٍ لطيورٍ، تبيَّن من دراستها أنها لطيورٍ لم تُقتل بغرض الحصول على طعام، وإنما لأغراضٍ أخرى ربما سحرية (12)، خاصةً وأنَّ الطيور كانت تُعَد أحدَ الرموز المتعلِّقة بالإلهة الأم، وبالأرواح، وكان لها قدسيتها التي وضحت منذ بداية العصر الحجري القديم، واستمرَّت طوال المراحل التاريخية الأخرى، ولكن بشيءٍ من التعقيد؛ إذ أصبحت من الرموز الدالة على آلهة الخصب وكذلك الدالة على خلود أرواح الموتى (13).
وربما كان لوجود ريش النسور مع دفناتِ زاوي شيمي، رغبةٌ في أن يُبعث المتوفَّى بسرعة بمساعدة طائر النسر الذي وُجِد ريشه مع المتوفَّى في تلك المرحلة المبكرة، التي كانت قد تكرَّرت قبل ذلك في شاتال هويوك، ولكنها كانت أكثرَ ثراءً (14).
هذا، ولقد عُثر على الكثير من أكوام العظام الحيوانية، لصغار المَعْز، والأغنام في موقع كهف زاوي شيمي شانيدار، بخلاف الدفنة الآنفة الذكر، مما يعكس معه طبيعةَ حياة ساكني هذا الموقع؛ إذ كانوا من الصيادين، وكان لديهم من العادات ما يدعو للانتباه، فلربما كانت تلك الأكوام العظمية تمثِّل نوعًا من الأضاحي الحيوانية، أو أنَّ هذا الموقع كان بمثابةِ مكانٍ لتربية تلك الحيوانات، وكان يتم ذبح صغارها في توقيتٍ معيَّنٍ وبطريقةٍ خاصةٍ (15).
ولقد عُثر في كهف شانيدار (16) ⋆ على دفناتٍ آدميةٍ بها بقايا لكثيرٍ من العظام الحيوانية، لحيواناتٍ بريةٍ — لا سيما الغزال والثور البري — (17) وأغنامٍ ومَعْزٍ بريةٍ، وأيضًا العديد من البقايا العظمية لحيواناتٍ أخرى (18). استمرَّ العثور على بقايا عظام المَعْز المستأنَسة في العديد من المواقع، لا سيما موقع جرمو وحسونة والوركاء الباكرة لتصبح الماعز بذلك واحدةً من أقدمِ الحيوانات التي استُؤنست في منطقة الشرق الأدنى القديم بوجهٍ عامٍّ، وبلاد الرافدين بوجهٍ خاصٍّ (19). ولقد كانت المَعْز في مرحلة جمدة نصر من أهم الحيوانات ذات القيمة الاقتصادية، التي لعِبت دورًا هامًّا في اقتصاد مجتمعات هذه المرحلة الحضارية، ويدُل على ذلك كثرةُ ما عُثر عليه من بقايا عظميةٍ لها آنذاك (20).
وفي الجبَّانة الملكية بأور، عُثر عند مدخل المقبرة رقم PG/800 على هيكلٍ كاملٍ لواحدةٍ من المَعْز، كانت ترقد إلى الجنوب الشرقي من مدخل الدفنة، وإلى جوارها عُثر على صفٍّ من الأواني الفخارية (21).
وفي المقبرة رقم PG/1648 التي تُعَد أصغرَ مقابر الجبَّانة الملكية بأور عُثر على العديد من عظام المَعْز، التي كانت بحالةٍ سيئةٍ من الحفظ، لم يُستطع تفسير تواجدها (22).
أما في المقبرة رقم 1054 بجبَّانةِ أور أيضًا، فقد عُثر على دفنةٍ حيوانيةٍ لثلاثةٍ من الخراف، وذلك أمام مدخل المقبرة، بينما عُثر على عظامٍ حيوانيةٍ مختلفةٍ، وأوانٍ فخاريةٍ ورمادٍ بجوار المقبرة (23).
وفي نيبور عُثر في القطاع WF على دفنةٍ اشتملت على بقايا عظامٍ حيوانيةٍ لثلاثٍ من المَعْز، كانت تعلو جمجمة أحد الهياكل الآدمية بإحدى الدفنات التي تُؤرَّخ بعصر بداية الأسرات (24).
وفي تل أبو سلابيخ عُثر على الكثير من الهياكل العظمية لحيواناتٍ صغيرةٍ، كانت قد دُفنت كأضحيات حيوانية بالقرب من دفناتٍ آدميةٍ، وكان أغلبها لمَعْزٍ وحُملان صغيرة، وفي واحدةٍ من تلك الدفنات عُثر على هيكلٍ عظميٍّ كاملٍ لحَمَلٍ صغيرٍ، كان عمره عند دفنه لا يتعدى الشهرين (25).
..................................................
(1) Clutton-Brock, J., “The early history of domesticated animals in Western Asia” in: Summer, vol. 36, 1980, p. 39.
(2) سالم الألوسي، «نظرة أخرى عن أقدم أصدقاء الإنسان من الحيوانات»، سومر، الجزء 1، 2، المجلد السادس عشر، 1960م، ص112.
Reed, C. A., “Astrological evidences for prehistoric domestication in southern Asia” in Z. S. T. Z. Z. B., Band 76, heft. 1, New Haven, 1961, pp. 34-35.
(3) ⋆يقع كهف زاوي شيمي شانيدار على نهر الزاب العظيم شمال العراق، يبعُد حوالي 4كم أسفل كهف شانيدار على المدرجات النهرية، ويُؤرَّخ هذا الكهف بحوالي 8920 ± 300ق.م. عند البعض، وبحوالي 10870 ± 300 ق.م. عند البعض الآخر: Mellaart, J., “The earliest settlements in western Asia” in C. A. H, vol, 1-2, p. 4; Redman, C. L., Op. Cit., p. 133.
(4) Solecki, R. L., “Predatory bird rituals at Zawi Chemi Shanidar” in: Summer, vol. 33, 1977, pp. 42, 44; Charvàt, P., Mesopotamia before history, London 2002, pp. 4–6.
(5) Solecki, R. L., Op. Cit., p. 44.
(6) Black, G. B., and Green, A., Gods, demons and symbols of Ancient Mesopotamia, London, 1992, p. 23.
(7) جاك كوفان، «ديانات العصر الحجري الحديث في بلاد الشام»، ص 76.
(8) Scurlock, J., “Animal sacrifice in Ancient Mesopotamian religion,” p. 397.
(9) Reed, C. A., and New Haven, Op. Cit., p. 35.
«تذكِّرنا هذه الدفنة بما كان قد عُثر عليه في تليلات الغسول ببلاد الشام، من عادة ذبح صغار المَعْز، وتقديمها كأضحيات حيوانية، وذلك رغم اختلاف التأريخ الزمني لكلا الموقعين، وتذكِّرنا أيضًا بما عُثر عليه بهيراكونبوليس؛ إذ كان يُفضَّل ذبحُ صغار المَعْز وتقديمها كأضحيات حيوانية تقربًا للإلهة الصقر حورس، إله المدينة».
(10) Rahmani, Y., “Ancient Jerusalem’s funerary customs and tombs”: in: B. A., vol. 44, 1981, pp. 172-173; Strika, F. I., “Prehistoric roots: continuity in the images and rituals of the great goddess cult in the Near east” in: RSO, vol. 52, 1983, pp. 4, 8 .
(11) ⋆ يؤكِّد ما قيل بشأن ارتباط النسر بالإلهة الأم، ما عُثر عليه في شاتال هويوك، من تصوير جداري يصوِّر نسورًا تهاجم جثثًا آدمية بدون رءوس، وأسفل المنظر عُثر على جماجم بشرية وسلال، وجماجم ثيران، ودفع ذلك للاعتقاد في طورِ الموت، أحدِ أطوار الإلهة الأم.
(12) Solecki, R. L., Predatory bird rituals, pp. 44-45.
(13) Waida, M., “Birds” in: Enc., of Rel., vol. 2, New York, 1987, p. 224; Cooper, J. C., An illustrated encyclopedia of the traditional symbols, London, 1978, p. 20.
(14) Strika, F. I., Op. Cit., p. 8.
(15) Maisels, S. K., The Emergence of civilization from hunting and gathering to agriculture cities, London, 1990, p. 94; Ronnie, J., “Zawi Chemi Shanidar” in: Iraq, 1996; Charvàt, P., Mesopotamia before history, London, 2002, pp. 6-7.
(16) ⋆ يقع كهف شانيدار شمال العراق، ويبعُد عن جبال زاجروس بنحو 822م، وهو من أكبرِ الكهوف التي اكتُشفت شمال العراق.
(17) Trinkous, E., “An Inventory of the Neanderthal remains from Shanidar cave norther Iraq: in: Summer, vol. 33, 1977, pp. 9–32; Verner, J. L.,” les fragments ligneux wurmiens de la grette de Shanidar (Iraq) in: paléorient vol. 7/1, 1981, p. 141.
(18) Charvàt, P., Op. Cit., pp. 4–6.
(19) Hole. F., “A reassment of the Neolithic revolution” in: paléorient, 10/2, 1984, p. 54.
سالم الآلوسي، مرجع سابق، ص112-113.
(20) Frankfort, H., and Davies, L., “The last predynastic period Babylonia” in: C. A. H., vol. 1, part 2, 1971, p. 91.
(21) Woolley, C. L., UR excavations, vol. 2, p. 104.
(22) Ibid., p. 133.
(23) Woolley, C. L., UR of the Chaldees, Great Britain, 1982, p. 256.
(24) Roaf, M., “Doubts about the two-lobed Burial and the survival of early dynasticto Akkadian transitional building levels in Area WF at Nipper” in: Iraq, vol. 63, 2001, pp. 55-56.
(25) Clutton-Brock, T., and Bleigh, R., Op. Cit., p. 96.