قلت: إذا أردت أن أعمل العمل وقفت قبل الافتتاح فراجعت نيّتي وإرادتي فرأيت الرياء قد سبق الصدق ورأيت الصدق غائبًا عنّي فأردت أن انقل الإرادة بحقيقتها الى الصدق والصحّة وحسن النيّة وأن أتّقي الهوى بحليته وريائه وشهوته فمتى أعلم أنّي قد فعلت ذلك وأتيت منه على ما أردت وقد ذكرت أنّ ذكر النيّة والصدق لا ينفعني حتّى يكون بتحقيق الإرادة؟
قال: لأنّهما لا يجتمعان في قلب واحد ثم قال: ربّما اجتمع اسمهما، ولا يجتمع أنفسهما. فإذا لم ترد النفس وتشتهي ما كنت أنت تريد وتشتهي من إرادة الله تعالى بذلك العمل والدار الآخرة فقد علمت أنّ هذا قد حضر وذاك قد غاب كما كنت تعلم أنّ الرياء حاضر والنيّة غائبة.
وإن اشتبه عليك الذي وصفت لك فانقض الأمر كأنّك لا تريد أن تعمله البتّة واصدق فيه فإن علمت أنّك قد صدقت بنقضك له فابتدئه من الرأس فإن وجدتَّ من نفسك الرضا والسكون بنقض العمل والترك له فاعلم أنّه علامة حضور الصدق وغيبة الهوى والرياء وإن وجدت كراهية والنقض والترك فاعلم أنّ الهوى بعد فيه.
قلت: اضرب لي فيه مثلاً يكون أبين من هذا.
قال: مثل رجل همّ أن يتّخذ طعامًا يدعو إليه أقوامًا فراجع نفسه وعزمه فإذا هو يريد أن يدعو فلانًا لشيء كان وافقه منه وإذا هو يريد أن يدعو الآخر يريد ضربًا من الاستطالة وأن يستخدمه ويخضع له وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليستعين به على ظلم وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليصيب منه عرضًا من الدنيا وإذا هو يريد أن يدعو الآخر فيحمده ويثني عليه ويبسط ذكره وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليجالسه ويزاوره
ويدع مجالسة ومزاورة غيره وإذا هو يريد أن يدعو الآخر لحسن لقاء يلقاه به وأشباه ذلك ممّا ليس لله سبحانه وتعالى فيه شيء وإنّما هو كلّه للدنيا.
فلمّا استبان له من نفسه هذا، ولم تكن إرادته وجه الله، وما يرجو من ثواب الله على طعامهم، قال في نفسه لمّا تبيّن له ذلك: لا، ولكنّي أترك الإرادة الأولى وأحضر إرادة ثانية أريد بها وجه الله تعالى وحده والدار الآخرة.
ثم قال: فلعلّي أخدع في هذا وأنا لا أشعر ولكنّي أدعو مكان هؤلاء قومًا آخرين أقدّم فيهم النيّة والإرادة الصحيحة أمام الطعام أو لا أدعو أحدًا.
فإن رأى نفسه عند ذلك تنازعه إلى أن يدعوهم فكراهية النفس لترك دعوتهم ومحبّتها لدعوتهم علامة أنَّه غير صادق وأنَّه مخدوع.
وإن سكنت الى الترك ورضيت به فهو من علامة الخير فينبغي له حينئذٍ أن يعمله وأن يمضي فيه فإن شاء دعاهم وإن شاء دعا غيرهم بنيّة جديدة.