النفقات العامة في ظل المَذهَبِ التَّدَخُلِي
المؤلف:
اديب عدنان إبراهيم
المصدر:
ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 45-46
2025-09-25
543
بَعدَ أن عائتِ النَّظَرِيَّةُ التَّقليدية مِنَ العُيوب الكثيرة (التي أدت إلى نبذها والإنقلاب عَلَيها)، وَالمُتَمَثَلَةِ بسوء توزيع الثرواتِ وَالدُّخولِ وَمَا تَرَكَّبَ عَلَيْهَا مِن تَركيز الثرواتِ بِيَدِ قِلَّةٍ مِنَ الأفراد، وَكَذلِك تكرار وقوع الأزمات الإقتصادِيَّةِ، وَسوءِ حالَةِ العُمَّالِ وَانتشار البطالة، لا سيما بَعدَ الحَرب العالَمِيَّةِ وَأَزمة الكسادِ الكبير في الأعوام (1929- 1932) مما استدعى ضرورة استخدام أدوات وأساليب المالية العامة التي من أهمها النفقات العامة، بهدف إيجاد الحلول البديلة لِلتَّخَلُّص من الأزماتِ وَمُعَالَجَةِ آثَارِها، وَعَلى ذلِكَ فقد ظهرت اقتراحات ونظريات تقضي بضرورة تنفيذ برامج بإنفاق مبالغ كبيرة على نطاقٍ واسع تُمَوَّلُ عَن طريق الإقراض، من شأنها إعطاء الدفعة الأولى للإقتصاد القومي، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنَ النُّهوض والسَّير بمفرده، واعتماداً عَلَى قُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ بعد ذلك، وهذا ما تَحَقَّق في الولايات المُتَّحِدَةِ الأمريكية وألمانيا، وَقَد حَدَّدَ العَالِمُ (كينز) بِكِتابه (النَّظَرِيَّة العامة للعمالة والفائِدَةِ والنقود) في عام (1936) الأُنسَ النَّظَرِيَّة لسياسَةِ التَّدَخُلِ الحُكومي التي سبق أن اعتمدتها ألمانيا والولايات المُتَّحِدَةُ الأمريكية، وهكذا تَمَّ الإِنتِقالُ مِنَ المالِيَّةِ المُحايدة إلى المالية الوظيفيةِ الَّتِي تُوَفَّفُ لِخِدمَةِ غَايَاتِ الدُّولَةِ، وَذلك تبعاً للإنتقالِ مِنَ الدُّولَةِ الحارسة إلى الدُّولَةِ المُتَدَخِلَةِ فِي شَتّى المجالات، وَلَم يَعْدِ الفَردُ هُوَ المُحَرِّك الوحيد للإقتصادِ، وَإنَّما أصبَحَتِ الدُّولة عاملاً أساسياً في توجيه الإقتصاد نحو الوجهَةِ التي تَتَناسَبُ مَعَ تَحقيق المصلحة العامة (1).
وَفي السياق ذاتِهِ فَإِنَّ التَّدَخُل باستخدام النفقات العامة كَأَحَدٍ أَهم الأدواتِ المالِيَّةِ في ظِلِ المَذهَبِيَّةِ التَّدَخُلِيَّةِ أَصبَحَ ضَرورة لا بُدَّ منها، فلا يُمكن تحقيق التوازن الإقتصادي المنشود بدونها، فمثلاً عِندَ حصول حالة الإنكماش وانخفاض مستوى الطَّلَبِ عَن مُستَوى التشغيل الكامِل فَإنَّ الدَّولة تلجأ في مُعالَجَةِ ذلِكَ إِلى زِيادَةِ النَّفَقَاتِ العامَّةِ وَخَفَضِ الضَّرَائِبِ، بِهَدَفِ تَحريكِ الطَّلبِ الفِعلي، لِكَي يَرْتَفِعَ إِلَى مُستَوى التشغيل الكامل، أما إذا حَصَلَ العَكسُ وَزادَ الطَّلَبُ الفِعلي فوق مُستَوى التشغيل الكامِلِ فَإِنَّ الدولة تلجأ حينها إلى زيادَةِ الضَّرائب وخفض الإنتاج، بهدف امتصاص القُوَّةِ الشرائية الزائِدَة (2).
إِنَّ دَورَ النفقات العامَّةِ يَزدادُ أَهَمِّيَّةً عَن ذي قَبلُ عِندَ تَطبيق المَذْهَبِ التَدَخُلِي في إطار النظام الرأسمالي (الدَّولَةُ المُتَدَخِلَةُ)، إذ بالإضافة إلى وَظَائِفِ الدُّولَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، فَإِنَّها تَقومُ بوَظائف أُخرى تَتَمَثَّلُ في استغلالها لبعض المشروعات الإنتاجِيَّةِ، وَالعَمَلِ عَلَى ثَباتِ قيمَةِ النُّقودِ، وَتَنمِيَةِ الإقتصاد القومي وتقديم الخَدَماتِ المَجَّانِيَّةِ أَو ذاتِ الأثمانِ الزَّهيدَةِ لِلطَّبَقاتِ ذاتِ الدُّخولِ المُنخَفِضَةِ، وَغَير ذلِكَ مِنَ الإجراءاتِ الَّتِي تَهدِفُ إلى تخفيف الفوارِقِ بَينَ الطَّبَقاتِ، وَيَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ وَفي كَنَفِ المَذْهَبِ التَدَخُلِي بِالمَعنى المُشارِ إِلَيهِ أَنَّ الحاجة إلى الإنفاق العام لا تَكْفُ عَنِ التَّزَايُدِ لِمُواجَهَةِ التَّطَوُّرِ المُستَمِرُ في دَورِ الدُّولَةِ، مِمَّا يَتَرَتِّبُ عَلى ذلِكَ ارْدِيادُ حَجم النَّفَقاتِ العَامَّةِ وَنَوعِها (3).
___________
1- د. رائد ناجي أحمد: علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط 1 ، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2012 ، ص 5.
2- د. عادل فليح العلي: المالية العامة والتشريع المالي والضريبي، ط1، دار الحامد للنشر، الاردن، 2007، ص : 45.
3- د. عادل أحمد حشيش أساسيات المالية العامة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1992 ، ص: 88 – 89
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة