العوامل المالية وتأثيرها على النفقات العامة
المؤلف:
اديب عدنان إبراهيم
المصدر:
ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 57-63
2025-09-27
522
بما أنَّ العوامل المالية المُؤثِرَةَ في ازدياد النفقات العامَّةِ تَكونُ عَلَى نَوعَينِ، الأُولى هِيَ العَوامِلُ الَّتي يَتَرَتَّبُ عَلَيها زيادَةٌ فاعِلَةٌ في النفقاتِ العَامَّةِ، وَأَمَا الثَّانِيَةُ فَهِيَ العوامل التي يَتَرَتَّبُ عَليها زيادَةٌ ظاهِرِيَّة، لِذلِكَ سَنُقَسِمُ هذا الموضوع إِلى فَرِعَينِ، نَتَنَاوَلُ في الفرع الأوَّلِ عَوامِلَ الزِّيادَةِ الفاعلة، أما الفرعُ الثَّاني فَنَكَرْسُهُ لِبَحثِ عَوامِلِ الزِّيادَةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَكَما يَأْتي:
الفرع الأول عَوامِلُ الزَّيَادَةِ الفَاعِلَةِ
تَتَمَثْلُ عَوامِلُ الزِّيادَةِ الفَاعِلَةِ بِما يَأْتي:
أَوَّلاً: سُهولة الإقتراض : كانَتِ الدَّولة في الماضي، عِندما تحتاج الأموال، فَإِنَّهَا تَقْتَرِضُ من بَعض كبار أصحاب المال، الذين كان عددهم قليلاً، والشروط التي يفرضونها قاسِيَةٌ، فَكانَ ذلِكَ ضَماناً إلى حدٍ ما، يقف حائلاً أمام الإسراف في الإقتراض، أما في الوقت الحاضر، فإنَّ الدَّولة تلجأ إلى جُمهورٍ أَكبَر، يَصِلُ حَتَّى إِلَى صِغَارِ المُدَّخِرِينَ وَتَمنَحُ مَزاياً مُغرِيَةً كَإعفاء الفوائدِ مِنَ الضَّرائب، ومُكافآت التسديد وَالنَّصيب، وَدَفع القوائدِ بِالذَّهَب في الأوقات التي تتدهور فيها قيمَةُ النُّقودِ، وَعَدَم قابِلِيَّةِ الحَجز في بَعضٍ الأحيان، وتُصدِرُ سَندات ذاتِ فِئات بسيطةٍ لِيَتَمَكَّنَ صِغارُ المُدَّخِرِينَ مِنَ الإكتتاب فيها، إضافة إلى سهولة حُصولِ المُقرِضِ عَلى رأس مالِهِ عِندَ الحَاجَةِ، بِبَيعِ السَّنَدِ فـي شوق الأوراق الماليَّةِ، وَعَلَيهِ فَإنَّ كُلُّ ما تَقَدَّمَ جَعَلَ مِنَ السَّهْلِ عَلَى الدُّولَةِ أَن تَحصَلَ على الأموالِ وَأَن تَتَوسَّعَ في الإنفاق العام (1).
وَمِنَ الطَّبيعي أن تُؤدِّيَ سُهولة الإقتراض العام ولجوء الدُّولَةِ إِلَيهِ وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ، إلى ازديادٍ كبيرٍ في حَجم النفقات العامة، سواء أكان ذلك في البِدَايَةِ عِندَ صَرِفِ مَبْلَغ القرض لما خُصِّصَ لَهُ، أم في النّهايَةِ عِندَ قِيامِ الدُّولَةِ بِرَدّ مَبْلَغِ القَرْضِ وَدَفعِ الفَوائِدِ المُستَحَقَّةِ عَنهُ (2).
وَأَمَّا في العِراقِ، فَإنَّ الدَّولة تُعاني كغيرها مِنَ الدُّوَلِ النَّامِيَةِ مِن مُشكِلَة الإقتراض، إذ بِالرَّغم من أنَّ الإقتراض يُساعِدُ الدَّولة في سَدّ العجز في ميزانيتهـا وَدَعمٍ التنمية فيها، فإنَّهُ يَزيدُ من أعباء الدُّولَةِ وَيَستَنزِفُ مِنها الكثير مِنَ النَّفَقاتِ في سَبيل سداد القروض وفوائدها، مما يزيدُ مِن عَجزِ المُوازَنَةِ سَنَوِياً، وَبِذلِكَ فَإِنَّ القَرضَ يَتَحَوَّلُ من عامل يُساعِدُ الدُّولة في تحقيق النُّمُةِ الإقتصادِيَ إلى عامِل يُقيدُ الدُّولَةَ وَيُؤْثِرُ في ازدياد النفقات العامة، لا سيما عِندَما يَتِمَّ صَرفُ حَصيلة الفرضِ على النفقات
التشغيلية، في ظل الإنفاق المُتَضَخِمِ عَلى الأجور والإعانات ونظام الرعاية الإجتماعِيَّة، وَمُفردات البطاقة التموينية، ولتلبية الإحتياجات المُتَرَابِدَةِ المُتَرَيَّبَةِ عَلَى الحروب التي توالت على العراق، والتي اضطَرَّتِ الحكومة على أساسها للجوء إلى الإِقْتِراضِ، وَمَا بِتَرَتِّبُ عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ التَّفَقاتِ العامة (3).
ثانياً: وجود فائض في الإيرادات العامة أو مال احتياطي: مِنَ المَبادِئِ المَالِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ أَنَّهَ لا يَنبَغِي لِلدُّولة، في الظروفِ العادِيَّةِ أن تُطالب الأفرادَ بِأَكثرَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ القِيامُ بوظائفها في المرافق والمشروعات وتقديم الخدمات العامة ، مَعَ عَدَم إبقاءِ فائض مِنَ الإيرادات العامة، إذ أنَّ وُجود فائض بِالمُوازَنَةِ العامة في ا الظروف العادِيةِ يُعَدُّ أَشدَّ خطراً من وُجودِ عَجز فيها، لأنَّ الفائض يُغري الحكومة وَيَدفعُها إلى التوسع في الإنفاق، فإذا تَغَيَّر الحال وجاء الوقت الذي يتطلب إنقاص النَّفْقَاتِ العَامَّةِ، فَإِنَّ مِنَ المُتَعَذَّرِ ذلِكَ، بِسَبَبٍ صُعوبَةِ تَخفيض النفقات العامة (4).
وَمِن الجدير بالذكر أن الفائض لا يُعدُّ أمراً غير مرغوبٍ بِـهِ دَائِماً، فَهُوَ أَداةٌ لازمة لتحقيق الاستقرار الإقتصادي في حالاتٍ مُعيَّنة، إذ تقومُ الدَّولة بامتصاص القُوَّةِ الشرائية الفائِضَةِ للحَدّ من ارتفاع الأسعار، ثُمَّ تَقومُ بَعد ذلك بإنفاق ذلك الفائض في أَوقاتِ الكَسَادِ بِهَدَفِ إنعاش الإقتصادِ وَرَفع مُستَواهُ (5).
وَمِمَّا تَقَدَّمَ، يَتَبَيَّنُ لَنا أَنَّ المقصود بالفائض هنا، هُوَ الفَائِضُ الَّذِي لَا تَستَهدِفُ الدولة من تكوينهِ غَرَضاً خاصاً، أما إذا قَصَدَتِ الدَّولة من إيجاد الفائض تكوين مالٍ احتياطي لِغَرَضٍ مُعَيَّنٍ، فَذلِكَ أُمرّ آخَرُ ، كَأَن تَعمَلَ الدَّولةُ على إيجادِ فَائِضِ في سَنَواتِ الرَّحَاءِ لِتُنفِق مِنهُ لإنعاش الإقتصادِ القَومِي في سَنَواتِ الكَسَادِ(6).
وَأَمَّـا فـي العِراقِ، فَإِنَّ المُتَتَبَعَ لِلوَضع المالي بعد عام (2003)، يَجِدُ أَنَّهُ يَتَأَرجَحُ بَينَ العَجز والفائض، بِسَبَبِ الإعتمادِ الكَبيرِ عَلى الوارداتِ النَّفْطِيَّة، التي تَتَمَيَّزُ بِتَ بذُبها وارتباطها بالسوق العالمي ومُستوى العَرضِ وَالطَّلب ومدى الإستقرار على المستوى الدولي، ولذلك فإنَّ وُجود فائض في الإيرادات العامـة يـرتَبِطُ بصورَةٍ أَساسِيَّةٍ بِحَجم العائدات النَّفطِيَّة، فعند زيادَتِها بشكل ملحوظ فإنَّ الفائِضَ يَتَحَقَّقُ، وَعِندَ انخِفَاضِهَا فَإِنَّ العجز يَحصَلُ، وَهَذا يَرجِعُ إلى عَدَم وُجودِ تَخطيط مُسبَقٍ، وَقِيامِ الحُكومَةِ فِي المُدَّةِ الَّتِي تزداد فيها الإيرادات بالإسراف في الإنفاق وبشكل غير مدروس، إرضاء للشعب وَكَسباً للتأييد، والحُصولِ على الأصوات في الإنتخاباتِ، وَعَدَم استثمار الزيادة في الإيرادات وَتَوجيه النفقات العامة إلى المشاريع الإنتاجية والإستثمارية وتنمية القطاعاتِ المُختلِفَة كَالصِّناعَةِ وَالزَّرَاعَةِ وَالسّياحَةِ، التي لو حَصَلَت عَلى الدَّعم المطلوب لمـا ثـمَّ الإعتمادُ على الوارداتِ النَّفْطِيَّة، فَكُلُّ ما تَقَدَّمَ لَهُ دَورٌ في ازديادِ وَثِيرَةِ النَّفَقاتِ العَامَّةِ.
الفرغ الثاني
عَوامِلُ الزَّيَادَةِ الظَّاهِرِيَّةِ
وَتَتَمَثَّلُ عَوامِلُ الزِّيَادَةِ الظَّاهِرِيَّةِ بِما يَأْتي:
أولاً: إنخفاض قيمة النقود: ويُقصَدُ بِهِ تَدَهوُرُ القُوَّةِ الشّرائِيَّةِ لِلنُّقودِ، أَوِ ارْدِيـادُ عَدَدِ الوحداتِ النَّقدِيَّةِ الَّتي تُدفَعُ لِلحصول على سِلعَةٍ أو خِدمَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَضَخُماً في أرقام النفقات العامة، مما يعني أن الزيادة في النفقات العامة لا ترجِعُ بِالضَّرُورَةِ لِزِيادَةِ السَّلَعِ وَالخَدَماتِ العامَّةِ الَّتي تُنتجها النفقات العامة فقط، وَإِنَّما تَعودُ إلى ارتفاع الأسعار (7). وَمِنَ المُلاحَظ بِصَفَةٍ عامَّةٍ أَنَّ قيمة النقودِ آخِذَة بالإنخفاض بصورَةٍ مُستَمِرَّةٍ في مُعظَمِ الدُّوَلِ، وَيَعني تَدَهرُرُ قيمَةِ النُّقودِ أَنَّ الزّيادة في النفقات العامَّةِ تَكونُ ظَاهِرِيَّة في جُزءٍ مِنها، وأنَّ هذا الجزء يتوقف على مدى الإنخفاض ، وَمَـادُ ذلِكَ، أَنَّ الزِّيادَة في النفقات العامة قد تعود إلى ارتفاع الأثمانِ لا إلى زيادَةِ كَمَيَّةِ السَّلع والخدمات التي اشترتها أو أنتجتها النفقات العامة (أي لا تعودُ إلى زيادة الدخولِ الحَقيقية التي قامت بِتَوزيعها هذه النفقات)، وَعَلى ذلِكَ يَكونُ مِنَ الضَّروري وَنَحْنُ نُقَارِنُ بَينَ حَجَمٍ العامة في مُدَدٍ مُختلِفةٍ لِغَرَض قياس الزيادَةِ فيها عبر هذهِ المُدَد، أَن تَأخُذَ بِنَظَرِ الإعتبارِ التَّغَيُّرات التي تحدث في المُستَوى العام للأثمانِ مِن مُدَّةٍ إلى أخرى (8).
وَمِمَّا تَقدَّمَ، يَتَبَيَّنُ لَنَا بِأَنَّ انخفاض قيمة النقود، تُؤدّي إلى ازدياد النفقات العامَّةِ، بَيدَ أَنَّ هَذِهِ الزيادة في الإنفاق العام لا يُقابلها زيادة في السَّلَعِ وَالخَدَمَاتِ المُقَدَّمَةِ مِنَ الدُّولة أو تَحَسُّنُ مُستواها، وهو ما يترتب عَليهِ عَدَمُ تَحقيق المنفعة العامَّةِ مِن جَرَاءِ الزِّيَادَةِ فِي النَّفَقاتِ العَامَّةِ.
وَمِنَ الحُلولِ المُقتَرَحَةِ لِلحَدِّ من انخفاض قيمة النقود (الذي يُمَثَلُ أبرز وأهم أسباب الزّيادَةِ الظَّاهِرِيَّة)، هُوَ اعتمادُ العُملاتِ المُشَفّرَةِ اللامركزِيَّةِ (الرَّقْمِيَّةُ) (9) الَّتي تُعَدُّ عُملَةً صَعبَةً عَلى الدَّولَةِ كَما المُواطِنِ، إذ لن تستطيع الدولةُ بِجَمِيعِ مُؤسَّساتِها المُختَلِفَةِ وبضمنها السلطاتُ النَّقدِيَّةُ، تخفيض قيمة العُملَةِ عبر إصدار المزيد منها أو رفع الدعم نهائياً أو جزئيّاً عَنها، وَجَعلها في مُواجَهَةِ العُملات الأجنَبِيَّةِ الصَّعْبَة، فَالدَّولَةً شَأْنُها كَشَانٍ غَيرها من مُستَخدِمِي العُملاتِ المُشَفَرَةِ، لا سُلطة لها على هذهِ العُملاتِ إِلَّا وفقاً لقوانينِ العَرضِ وَالطَّلَبِ، وَالَّتي تُجنّبُ العُملات الصَّعبة (وَمِنها العُملاتُ المُشَفَّرَةُ) أَيَّ فُرصَةٍ لِلتَّلاعُبِ بِها مِن قِبَلِ السُّلطاتِ ذاتِ الصَّلَةِ، كَما أَنَّ الْإِنخِفَاضَ المُطَّرِدَ فِي قِيمَةِ العملة المركزية يُوَفِّرُ لِلحكومات فرصة لزيادة نفقاتها العامة، بِسَبَبٍ سُهولة الحُصولِ على النقود وإجبار المواطنين على قبولها حَتَّى بِطَبعَتِها الجديدة، فلو كانت العُملات المُشَفَّرَةُ هِيَ المُعتَمَدَةُ لَفَكَّرَتِ الحكومات مليّاً قبل أن تُقدِمَ عَلى زِيادَةٍ فَاحِشَةٍ في نَفَقاتِها المُختلِفة لا سيما وأنَّ توفير العُملات المُشفّرَةِ لِلصَّرفِ على مجالات الإنفاق سَيَكونُ أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، في ظل اعتمادِ عُملَةٍ صعبة هي العُملَةُ المُشفّرَةِ الَّتي لَن يَتِمَّ الحصول عليها إِلَّا بِالمَزيد من الإنتاج والعَمَلِ الدَّؤوب وَالْحَقيقي، وَلَيسَ مُجَرَّدَ إدراج أرقام ترتَفِعُ كُلَّ سَنَةٍ في الموازنة العامة، دون أن يكون هناك خدماتٌ حَقِيقِيَّةٌ تُقَدَّمُ للمواطن، بَل رُبّما عَلى العكس من ذلك قد يحدثُ تَرَةٍ في مستوى الخدمات العامة، سَواءٌ مِنَ النَّاحِيَةِ الكَمَيَّةِ أو النَّوعِيَّةِ، غَيرَ أَنَّ ذلِكَ لا يعني بأي حالٍ مِنَ الأحوالِ التَّقتير على المواطِنِ وَعَلى الخدمات العامة التي يُفتَرَضُ أن يتم تقديمُها مِن قِبَلِ الدُّولَةِ وَهَيئاتِها العامَّةِ، وَإِنَّما عَلى العكس من ذلك ستكونُ الحكوماتُ أَكثَرَ رَشَادَةً، وَسَتَكُونُ قراراتها أكثرَ حِكمَة (10).
ثانياً : تَغَيَّرُ الفَنَ المالِي: إِنَّ اختلاف وَتَغَيَّرَ الفَنِّ المالي مِن بَـينِ العَوامِلِ المُؤدِّيَةِ إِلى ازديادِ النَّفَقاتِ العامَّةِ التي لا يَتَرَتَّبُ عَليها زيادَةً في السّلع والخَدَمَاتِ المُقَدَّمَةِ مِن قِبَلِ الدُّولَةِ أَو تَحَسُّنُ مُستواها، إذ يُعَدُّ تَغير أساليب الفن المالِيَ الَّتِي تَستَخدِمُها الدُّوَلُ فـي إدراج النفقات والإيرادات العامة ضمنَ المُوازَنَةِ العامَّةِ، مِنَ الأَسبابِ الَّتِي يَتَرتَّبُ عَلَيْهَا زيادَة ظَاهِرِيَّةٌ، تَقْتَصِرُ فَقَط عَلَى السَّنَةِ الثَّالِيَةِ لِسَنَةِ التَّغَيُّـر فـي أُسلوب الفـن الـمـالي المُستَخدَمِ، لِأَنَّهَا مِنَ الأَسبابِ المُؤفَّتَةِ، وَيُمكِنُ بَيانُ صُورِ تَغَيرِ الفَـنِ الـمـالي فيما يأتي (11):
1. الإنتقال من المُوازَنَةِ الصَّافِيَةِ إلى المُوازَنَةِ الإجمالية: فقد كانَ المُتَّبَعُ قديماً هُوَ طريقة المُوازَنَةِ الصَّافِية، إذ لا يُدَوَّنُ في باب المصروفات العامة ما أنفقته الدولة في جباية الإيرادات العامة، ولا يُذكرُ في باب الإيرادات العامة إلا صافي الإيراد بَعدَ خصم تكاليف الجباية، أما في الوقت الحاضِرِ فَإنَّ جَميعَ الإيراداتِ وَالنَّفْقَاتِ تُدرَجُ بِرُمَّتِها من غير خصم أو مُقاصَّةٍ، تطبيقاً وعملاً بمبدإ عُمومية أو شمولية المُوازَنَةِ، الَّذي يَضمَنُ شمول الرَّقابَةِ البرلمانِيَّةِ لِكُلِّ جَوانِبِ المُوازَنَةِ (12).
2. تَغَيَّرُ بِدايَةِ السَّنَةِ المالية: لا يُشترط أن تتساوى بداية السَّنَةِ المَالِيَّةِ وَنِهايَتِها مَعَ بداية ونهاية السنة التقويمية، وَعَلَيهِ فَإِنَّ بَعض الدُّوَلِ تَأخُذُ لِنفسها سَنَةً مَالِيَّةً تَخْتَلِفُ عَنِ السَّنَةِ التَّقويمِيَّة، وهذا ما كان عليه في العراق قبل عام (1975) ، إِلَّا أَنَّهُ تحول إلى جعل بداية السنة المالية ونهايتها مع بداية ونهايةِ السَّنَةِ التَّقْويمِيَّةِ، فَبَعدَ
أن كانت السنة المالية تبدأ في 1/4 من كل عام وتنتهي في 31/3 مـن العـام التالي، فَقَد أَصْبَحَتِ اليَومَ تَبدَأُ في 1/1 من كُلّ عامٍ وَتَنتَهي في 31/12 مِنَ العامِ ذاتِهِ، وَمِنَ المُؤكَدِ أَنَّ الأخذ بهذا المفهوم يَجعَلُ السَّنة الثَّالِيَة لِتَغْيرِ أَو تَبَدُّلَ السَّنَةِ الماليَّةِ تَتَحَمَّلُ نَفَقَاتِ وَإيراداتِ السَّنَةِ السَّابِقَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الحِسابِيَّةِ فقط، دون أن يُقابل هذه الزيادَةِ في النفقات أي زيادَةٍ في مُتَوَسَطِ نَصيب الفردِ مِنَ الخَدَماتِ العامة (13).
3. إلغاء المُوازَناتِ المُستَقِلَّة: قد يُستثنى بَعضُ أشخاص القانون من قاعِدَة عُمومية الموازنة فيُؤخذُ بِمُوازنات مُستَقِلَّةٍ لا تَندَرِجُ بِنفَقاتِها وإيراداتها في الموازنة العامة لِلدُّولة، وقد ترى الدولة أنَّ الأفضل إعادتها إلى المُوازنة العامَّةِ لِلدُّولَةِ، فَتَتَحَوَّلُ نفقاتُها وإيراداتها إلى الموازنة العامَّةِ، فَتُشكَّلْ عِباً عَلى حَجمِ النَّفْقَاتِ العَامَّةِ فَتَزيدُهُ في الوقت الذي لا تكون هذه الزيادة إلا ظاهِرِيَّة، فَتَبقى الخدمات العامة بذاتِ المستوى.
وَمِمَّا تَقَدَّمَ، يَتَبَيَّنُ لَنا أَنَّ جَميعَ صُوَرِ تَغَيرِ الفنّ المالِي تُعَدُّ مِنَ العَوامِلِ المُؤدِّيَةِ إلى ازدياد النفقات العامة، ولكنَّ هذا الإزدياد في النفقات العامة هُوَ ازدياد صُورِيٌّ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ زِيادةَ فِي المَنفَعَةِ العَامَّةِ.
ثالثاً: تَوَسُّعُ مَساحَةِ إقليم الدولة أو زيادَةِ عَدَدِ سُكّانها : وَهُنا يَدُورُ سُؤالٌ: هَل أَنَّ النفقات العامَّةِ التي تَفرِضُها زيادة المساحة أو عَدَدِ السُّكان تُؤدّي إلى تحقيق منافع فعلية للإقليم الأصلي للدولة، أو لِلسُّكّان الأصليين، وللإجابة على ذلِكَ، فَلا شَكٍّ أَنَّ تَأْثَرَ مُتَوَسَطِ نَصيب الفرد من النفقات العامَّةِ زيادَةً، يُؤدّي إلى حصولِ زِيادَةٍ حَقيقية (فاعِلَةٍ)، أَمَّا إِذا زادَ حَجم الإنفاق العام في موازنة دولة ما، لِمُجَرَّدِ مُواجَهَةِ التَّوَسُّعِ في أرضها، أو زيادَةِ عَدَدِ السُّكَانِ دونَ أن يَمَسَّ الإقليم الأصلِي أَوِ السُّكَانَ الْأَصْلِيِّينَ زِيادَة في الخَدَماتِ، فَتُمَثَلُ هذه الزيادة في الإنفاق زيادة ظاهِرِيَّة، وذلك يعود إلى أنَّ زِيادَة النفقات العامة لا تُعزى إلـى التَّوسع في تقديم الخدمات العامَّةِ أَو تَحسُّنِ مُستَواهَا، وَإِنَّما تَرجِعُ لِلتَّوسع في الخدماتِ نَفْسِها ، بِسَبَبِ المَساحَةِ الجَديدَةِ التي أُضيفت إلى إقليم الدُّولَةِ لتلبية احتياجات السكّانِ المُتَزايِدَة من تلك الخدماتِ، مِمَّا يفرضُ الحاجة إلى زيادَةِ الإنفاق العام (14).
__________
1- د. محمود رياض عطية موجز في المالية العامة، دار المعارف بمصر، 1969 ، ص:96.
2- د. رائد ناجي أحمد: علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط 1 ، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2012 ، ص: 33
3- د. عاطف لافي مرزوك ورجاء قاسم حمزة: الدين الحكومي الخارجي في العراق - المحتوى والآثار في الأداء الإقتصادي للمدة (2003) - (2019)، بحث منشور في مجلة مركز دراسات الكوفة ، المجلد 1، ع 63 ، كانون الأول/ 2021، ص: 1، 9.
4- د. محمود رياض عطية موجز في المالية العامة، مصدر سابق، ص: 96.
5- بيداري محمود العوامل المفسرة لنمو الإنفاق الحكومي في الإقتصاد الجزائري (1991 - 2010) مع اشارة إلى قانون فاجنر، رسالة ماجستير، كلية العلوم الإقتصادية جامعة وهران الجزائر، 2014، ص: 69.
6- د. محمود رياض عطية: موجز في المالية العامة، المصدر السابق، ص: 97.
7- عيساني العارم: العوامل المفسرة لظاهرة تزايد النفقات العامة في الجزائر للفترة (2000-2015)، بحث منشور في مجلة التنمية والإستشراف للبحوث والدراسات المجلد 3 ، ع ،4، حزيران/2018، ص: 17.
8- د. عادل أحمد حشيش أساسيات المالية العامة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1992، ص: 109.
9- تعرف العملات المشفرة على أنها نوع من الغملاتِ المُتاحَةِ بِشكل رقمِي عَبر الأنترنت، وَلَيسَ لَهَا وُجودٌ مادي، ولَها خَصَائِصُ مُماثلة للعملات المادية، فهي عُملاتٌ افتراضية لا مركزية، تعتمدُ على نموذج رياضي محمي بواسطة الترميز ، وَلَها دَفتَرُ حِسابِ رَقمِي لا مركزي، إذ لا تَصدُرُ عَن بَنكِ مَرْكَزِقٍ أَو سُلطَةٍ رَقَابِيَّةٍ أَو تَنظِيمِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يُصدِرُها وَيُراقِبُها مُطَوّروها، وَلا تُشكّل التزاماً على أي جهةٍ، بما في ذلك مُطَوّروها. (بن معتوق صابر: تحديات التعامل بالعملات المشفرة - البتكوين نموذجاً ، بحث منشور في المجلة الجزائرية للأبحاث الإقتصادية والمالية، المجلد 3 ، ع ،2 ، 2020 ، ص: 89) ، (عون الله سعاد وعامري رضوان: مخاطر وتداعيات تداول العملات المشفرة على استقرار القطاع المالي خلال الفترة 2017 - 2021 ، بحث منشور في مجلة اقتصادیات شمال أفريقيا، المجلد 19 ، ع 31، 2023، ص: 206).
10- د. أحمد خلف حسين الدخيل العملات المشفرة، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2021، ص: 149-150
11- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط ا ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ، ص : 43 - 44.
12- د. محمد عبد الله العربي: مبادئ علم المالية العامة والتشريع المالي المصري والمقارن، الجزء الأول- نفقات الدولة، مطبعة التقدم، مصر، بدون سنة، ص: 72.
13- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط ا ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ، ص 44
14- د. طاهر الجنابي: علم المالية العامة والتشريع المالي، طبعة منقحة، المكتبة القانونية، بغداد، بلا سنة نشر، ص 43.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة