العوامل الاقتصادية وتأثيرها على الانفاق العام
المؤلف:
اديب عدنان إبراهيم
المصدر:
ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق
الجزء والصفحة:
ص 72-76
2025-09-28
568
إِنَّ تَغَيُّرَ دَورِ الدُّولَةِ مِنَ الجِيادِيَّةِ إلى التَدَخُلِ، وازدياد نشاطها في الميادين المُختلفة، لا سيما الإقتصادية منها، قد أتى بطبيعة الحال إلى ازدياد أعبائهـا ومــا يَستَنبِعُهُ مِن ازدياد النفقات العامة، كما زادَ تَدَخُلُ الدُّولَةِ في مُواجَهَةِ تَأثيراتِ الدَّوراتِ الإقتصادية في حالاتِ الكَسادِ إلى زيادة الإنفاق الحكومي، لتنشيط الطَّلَبِ الفعال، والخروج من حالة الكسادِ (1)، إضافة إلى ذلِكَ فَإِنَّ زِيادَةَ الدَّخلِ القَومِي يُعَدُّ مِنَ العَوامِلِ المُؤثِرَةِ في ازديادِ النَّفَقاتِ العَامَّةِ(2).
وَلِغَرَضِ بَيانِ العَوامِلِ الإِقْتِصَادِيَّةِ المُؤَثَرَةِ في ازديادِ النَّفَقَاتِ العَامَّةِ، سَنُقَسِمُ هذا الموضوع إلى فَرعَينِ، نتناول في الفرعِ الأَوَّلِ اتِّساع تَدَخُلِ الدَّولة في الحَياةِ الإقتصادية، وَنَبحَثُ في الفرع الثاني، زيادَةَ الدَّخلِ القَومِي، وَكَما يَأْتي:
الفرع الأول
إِنساعُ تَدَخُلِ الدَّولة في الحَياةِ الإقتصادِيَّةِ
كُلَّما حَرِصَتِ الدُّولَةُ عَلَى التَّدَخُلِ بِصورَةٍ واسِعَةٍ في الحَياةِ الإقتصادية، كُلَّما ازداد حجم الإنفاق العام، وَمِن المُلاحَظ بوجه عام في الوقت الحاضِرِ أَنْ تَدَخُلَ الدُّوَلِ للحفاظ على التّوازُنِ الإقتصادي ودفعٍ عَمَلِيَّةِ التَّنمِيَةِ إِلى الأَمامِ، يُعَدُّ مِنَ الأَسبابِ الرئيسة لإزدياد الإنفاق العام، وَبِصِفَةٍ خاصَّةٍ فَإِنَّ التَّوَسُعَ في إقامة المشروعات العامة الإقتصادية للحصول على موارد للخزانة العامة أو المُحافظة على ثرواتها الطبيعية أو للتَّحكُم في مسار اقتصادِيَّاتِها، قد نتج عنه ازدياد النفقات العامَّةِ وَبِمُعَدَّلَاتٍ سَرِيعَةٍ، وَبِالإضافة لذلِكَ فَإِنَّ مُعظَمُ الدُّوَلِ حِرصَت عَلى مُحارَبَةِ الكَسادِ وَالْإِنكِماش وَالبَطالَةِ وَتَحقِيقِ مُعَدَّلَاتِ تَنمِيَةِ عالِيَةٍ يَدفَعُها في كثيرٍ مِنَ الأحيان إلى زيادة إنفاقها العام(3).
وبخصوص المشروعات العامة الإقتصادِيَّةِ التي تَقومُ بها الدُّولة أو تُساعِدُ عَلى إنشائها ، فَإِنَّ هذه المشروعات تكثر في الدُّوَلِ المُتَخلَّفَةِ اقتصادِيًا وَالْآخِذَةِ بِالنُّمُقِ، ذَلِكَ أن هذه الدُّوَل تُعاني من انخفاض مُستوى الدَّخلِ القَومِي وَمُستَوى الدخل الفردي وَالتَّغَلُّبِ عَلى حالَةِ التَّخَلُفِ وَما يَتَرَتَّبُ عَلَيها من شيوع الفقرِ وَالجَهْلِ وَالمَرَضِ، فَإِنَّ الدولة تَتَدَخَلُ بِهدَفٍ تَنمِيَةِ الإقتصادِ فَتَضَعُ خُططاً كاملةً لِلتَّنمِيَةِ، وَتَقومُ بِتَنفيذ المشروعاتِ الَّتي تَزيدُ من المقدرة الإنتاجِيَّةِ، أو تُساهِمُ فيها مَعَ القِطَاعِ الخاص (4).
أَمَّا بِخُصوص حالة الإنكماش، وهي حالةٌ مُعاكِسَةٌ لِحَالَةِ التَّضَخُمِ، يُقصَدُ بِها قصورُ الطَّلَبِ الكُلّي عن العرض الكُلّي، وَهِيَ الحالَةُ التي يَقِلُّ فيها إجمالي الإنفاق القومي عن إجمالي الإنتاج القومي، أو بعبارة أخرى مُبَشطَةٍ، كَمَيَّة قَلِيلَةً مِنَ النُّقودِ تُطَارِدُ كَمَيَّةً كبيرةً مِنَ السَّلَعِ، مِمَّا يُؤدّي إلى انخفاض الأسعارٍ وَتَفْشَي البَطَالَةِ بِمُعَدَّلَاتٍ تَتَزايَدُ كُلَّما اتَّسَعَتِ الفجوة الإنكِماشِيَّةُ المُتَمَثَلَةُ بمقدار الزيادَةِ في العَرضِ الكُلِّي عَنِ الطَّلَبِ الكُلّي، وفي هذه الحالة فإنَّ الدولة تتدخل باستخدام أدواتِها المالية التي مِـن أهمها السياسة الإنفاقية، ففي حالة الإنكماش وَعِندَما تَتَحَدَّدُ المُشْكِلَةُ فِي قُصورِ الطَّلَبِ الكُلّي، فَثَمَّةَ حَاجَةٌ لِخَلقِ قُوَّةٍ شِرائِيَّةٍ جَديدَةٍ بِهَـدَفِ تحفيز الطَّلَبِ الفِعَلِي، وَعِندَها تَكونُ الإجراءات المُتَّخَذَةُ مِن قِبَلِ الدُّولَةِ هِي زيادة الإنفاق الحكومي مع تخفيض الضَّرائب بما يُؤَدِّي إلى تحفيز وتشجيع الإنفاقِ القَومِي، حَتَّى يَقتَرِبَ مُستَواهُ مِنَ الإنتاج القَومِي، فتختفي الفجوَةُ الإِنكِماشِيَّة (5).
وَلا يَفوتُنا وَنَحنُ في صَدَدِ الحَديثِ عَنِ العَوامِلِ الإقتصادِيَّةِ المُؤثِرَةِ في ازديادِ النفقات العامة، أن نشير إلى المُنافَسَةِ الإقتصادية كأحد العوامل المؤثرة في ازدياد النفقات العامة، فقد اهتمت الكثير من الدُّوَلِ لا سيما بعد الأزمات الإقتصادية، بِحِمايَةِ الصناعات الوَطَنِيَّةِ مِن مُنافسة الصناعاتِ الأجنَبِيَّةِ بِشَتّى الوسائلِ كَالْمِنَحِ وَالإعانات الَّتي تَدفَعُها السُّلطاتُ العَامَّةُ إلى بعض المشروعات الصناعِيَّةِ أَوِ التِّجَارِيَّةِ أَوِ الزّراعِيَّةِ، لكي تُقاوِمَ مُنافسة المشروعات الأجنبيَّة أو أن تنافسها، والمِنْحُ إِمَّا أَن تُعطى بِشَكلٍ ظاهِرٍ، بأن يُرصَدَ لَها مبلغ مُعَيَّنٌ في مُوازَنَةِ الدَّولَةِ، وَإِما أَن تَكونَ بِشَكلٍ مُستَتِرٍ كالإعفاء مِنَ الضَّرائب أو زيادَةِ ما يَرِدُ عِندَ خُروج السّلعَةِ عَمَّا دُفِعَ عِندَ دُخولِهـا فـي حالة إعادة التصدير (6).
وَأَمَّا عَنِ العِراقِ، بِوَصفِهِ مِنَ الدُّوَلِ التَّفطِيَّة، تلاحِظُ أَنَّ دَورَ الدُّولَةِ يَحْتَلِفُ عَنِ الأدوار التي مِنَ المُمكن اتخاذها، إذ أنَّها سَلَكَت وظيفة أخرى، كما يُسمّيها البعض (دَولَةً رَصدِ التَّخصيصات)، وتعني تخصيص الإيرادات التي تَحصَلُ عَلَيْها نتيجـة تصدير الموارد الطَّبيعية إلى الخارج، عبر قناة الإنفاق العامّ بِشَفَّيهِ، وَخاصَّةَ التَّشغيلي (الإستهلاك)، دونَ الإهتمام بالأنشِطَةِ الإقتصادية الأخرى التي تُمَارِسُ دَوراً، وَالَّتي تُعَدُّ أَساسَ قُوَّةِ الإقتصادِ عِند تفعيلها بشكل حقيقي، وهذا ما يُؤَثِرُ عَلَى أَداءِ النَّشَاطِ الإقتصادي، وسيبقى هذا التأثيرُ ما لم تُتَّخذ الإجراءات الكفيلة بِمُعالجة هذا الوضع (7). وَمِمَّا تَقَدَّمَ، يَتَبَيَّنُ لَنا أَنَّ زِيادَة حَجم الإنفاق العام في العِراقِ، ليست نتيجة لتوشعِ دَورِ الدُّولَةِ في الأنشِطَةِ الإقتصادية بشكل أساسِي، وَإِنَّمَا تَستَنِدُ عَلَى مَـدَى الإرتفاع في مستوى العائداتِ النَّفْطِيَّةِ.
الفَرعُ الثَّاني
زيادَةُ الدَّحْلِ القَومِيَ
تُعَدُّ زِيادَةُ الدَّخلِ القَومِي مِن أهم الأسباب الإقتصادِيةِ المُؤَثِرَةِ فِي ارْدِيادِ حَجمِ النفقات العامَّةِ، إذ مَعَ زِيادَةِ الدَّخلِ القَومِي تَقومُ الدَّولَةُ بِزِيادَةِ مَشارِيعِها المُختَلِفَةِ، بِسَبَبٍ قدرتها على اقتطاع أجزاء أكبر من دخول الأفراد، ووضعها في خدمة المصلحة العامَّةِ، نتيجة زيادَةِ الأُوعِيَةِ الضَّريبية، إذ أن زيادة الإيراداتِ يُشْجِعُ الدُّولَةَ عَلَى زِيادَةِ حَجمِ نفقاتها في الأوجُهِ المُختَلِفَةِ (8) ، فَزِيادَةُ الدَّخلِ القَومِي تُمَكِّنُ الدُّولة في العصر الحديث من الزيادَةِ في مقدار ما يُمكِنُ أَن تَقتَطعَهُ مِنهُ في صورة تكاليف أو أعباء عامَّةٍ، حَتَّى وَلَو لَم تَزدَدْ أنواعُ الضَّرائِبِ المُقرّرة أو يرتفع سعرها، وبالتّالي فَإِنَّ هَذِهِ المَوارِدَ المُتاحة تُشجّعُ الدُّولَةَ عَلى زِيادَةِ الإنفاق العام في مُختَلَفِ الأُوجُهِ (9).
وَإِضافةً لِما تَقَدَّمَ، فَإِنَّ دَرَجَة تَأْثْرِ النَّفَقاتِ العامَّةِ بِارْدِيادِ الدَّخلِ القَومِي، تَختَلِفُ بِاختِلافِ الظُّروفِ الإقتِصَادِيَّةِ لِكُلِ دَولَةٍ، ففي الدُّوَلِ المُتَقَيِّمَةِ، لَا تَتَجَاوِزُ نِسبَةُ زِيادَةِ النفقات العامَّةِ نِسبة الزيادَةِ في الدخل القومي كثيراً، بخلافِ الدُّوَلِ الْأَهْلِ تَقدُّماً، إِذ تَدُلُّ المُشاهَداتُ عَلى أَنَّ النَّفْقَاتِ العامة في تِلكَ الدُّوَلِ تَزدادُ بِأسرع مِمَّا يَزدادُ بِهِ الدَّخلُ القومي (10).
وَأَمَّا في العِراقِ، فَإِنَّ مَوارِدَ الدَّولَةِ في تَزايُدٍ مُستَمِرٍ، لَا سِيَّما بَعدَ حُصولِ التغيير في سنة (2003)، ورفع العقوبات الاقتصادية، والمُضِي في زيادَةِ الصَّادِراتِ مِنَ النَّفْطِ مِمَّا دَفَعَ إلى إمكانِيَّةِ الحُصولِ على إيراداتٍ تَفوق ما كانَ عَلَيْهِ قَبلَ التَّغييرِ، خاصَّةً وَأَنَّ العِراق كانَ يَخضَعُ لإجراءاتِ التَّفطِ مُقابِلِ الغِذاءِ وَالدَّواءِ، وَالَّتي كانــت تَسْمَحُ بِتصديرٍ كَمِيَّةٍ قَليلَةٍ مِنَ النَّفط، وبما يكفي لِتَعْطِيَةِ استيراداتِهِ مِنَ الغِذاءِ وَالدَّواءِ (11)، مِمَّا يَتَرتَّبُ على ذلِكَ زِيادَةُ الدَّخلِ القَومِي، وَارْدِيادُ النَّفقات العامَّةِ.
_________
1- د. خديجة الأعسر: إقتصاديات المالية العامة، ط 1 ، دار الكتب المصرية - القاهرة، 2016، ، ص: 73
2- د. رائد ناجي أحمد: علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط 1 ، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2012 ، ص:31.
3- د. مجدي شهاب اصول الاقتصاد العام – المالية العامة ط1 دار الجامعة الجديدة الاسكندرية مصر 2004 ، ص 221
4- د. محمود رياض عطية موجز في المالية العامة، دار المعارف بمصر، 1969 ، ص:87.
5- د. عادل فليح العلي: المالية العامة والتشريع المالي والضريبي، ط1، دار الحامد للنشر، الاردن، 2007، ص: 72 - 73.
6 - د. محمود رياض عطية: موجز في المالية العامة، مصدر سابق، ص: 89 - 90.
7- حامد عبد الحسين الجبوري: دور الدولة في العراق تنموي أم توزيعي مقال منشور في موقع مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية بتاريخ 2016/12/4 ، على الرابط : 598/http://fcdrs.com/economical.
8- د. لحسن دردوري ود. لقليطي الأخضر : أساسيات المالية العامة، ط1، دار حميثرا للنشر والترجمة، القاهرة، 2019 ، ص: 76.
9- د. عادل أحمد حشيش أساسيات المالية العامة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1992، ص 100.
10- د. محمود رياض عطية موجز في المالية العامة، مصدر سابق، ص: 85.
11- خليل إسماعيل إبراهيم: آثار تطورات النفقات العامة في مستويات الأسعار خلال المدة (2005 - 2011)، بحث منشور في المجلة العراقية لبحوث السوق وحماية المستهلك، المجلد 4 ع 1، 2012 ، ص 9.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة