0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

أَثَرُ ازدياد النَّفَقَاتِ العامة في الإنتاج والتوزيع

المؤلف:  اديب عدنان إبراهيم

المصدر:  ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق

الجزء والصفحة:  ص 96-103

2025-09-29

574

+

-

20

لا شك أن ازدياد النفقات العامَّةِ يُؤثر على الإنتاج والتوزيع، ولبيان ذلك التأثير، يقتضي بنا تقسيم هذا الفرع إِلى فِقْرَتَينِ، وَكَما يَأْتي:
أولاً: أثر ازدياد النفقات العامة على الإنتاج: يُعدُّ ازدياد النفقات العامَّةِ مِن أهم العوامِلِ المؤثرة في حجم الإنتاج، وتستطيعُ الدُّولَة عَبرَ سِياسَتِها الإنفاقية، توجية الإنتاج بمـا يخدم أهداف السّياسة الإقتصادية العامَّةِ، فَعِندَما تَجِدُ الدَّولة الحاجة المُلِحَّةَ لِتَنمِيَةِ إنتاج السلع الرأسماليَّةِ وَالحَدّ من إنتاج السلع الإستهلاكية، فإن بإمكانها التدخل لبلوغ هذا الْهَدَفِ، عَبَرَ قِيامِهَا بِإِنشَاءِ مَشاريع مُمائِلَةٍ أو تَشجيع القطاع الخاص عبر الإعاناتِ أو الإعفاء مِنَ الضَّرَائِبِ، لِتَحقيق المزيد من إنتاج السلع الرأسمالِيَّةِ، وَالْحَدِّ مِن إنتاج السّلَعِ الإستهلاكِيَّةِ، وَذَلِكَ بِزِيادَةِ الضَّرائب عليها أو تقليص الإعاناتِ، وَبِهذِهِ الطَّرِيقَةِ فَإِنَّ عَناصِرَ الإنتاج (اليَدُ العامِلَةُ - رأسُ المالِ - وَالإِدارَةُ) سَتَنتَقِلُ مِن قِطاع إنتاج السلع الإستهلاكية إلى قطاع إنتاج السلع الرأسمالية (1).
وفي ضَوء ما تَقدَّمَ، وبما أنْ أثَرَ ازدياد النفقات العامَّةِ، إِمَّا أَن يُؤَثِرَ عَلَى
الإنتاج بصورة مباشرة أو غير مُباشِرَةِ، فَإنَّنا سَوفَ نَبحَثُ ذلِكَ التَّأثيرَ ، وَكَما يَأْتِي:
أ- الآثارُ المُباشِرَةُ لِزِيادَةِ النفقات العامة على الإنتاج: يَلْعَبُ ارْدِيـادُ النَّفَقاتِ العَامَّةِ دوراً كبيراً في زيادَةِ الإنتاج، إذا تَدَخَلَتِ الدَّولَةُ بصورَةِ مُباشِرَةٍ فِي زِيادَةِ الإنتاج، عَبَرَ وَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمِنها ما يَأْتِي (2):
1. مُباشَرَةُ عَمَلِيَّةِ الإنتاج بنَفْسِها تلجأ الدولة في بعض الأحيان إلى إنشاء مصانع وَمَعامِل لإنتاج سلعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أو سلع مُتَعَدِّدَةٍ، في حال عُرُوفِ القِطاع الخاص عَنِ القيام بذلك، في ظل تراخي إنتاج هذهِ السَّلعَةِ، وذلك يعودُ إِمَّا لِقِلَّةِ أرباح إنتاجها أو لزيادة تكاليف إنتاجها، أو بِسَبَبِ ما تَتَطَلَّبُهُ مِن إمكانياتٍ كَبِيرَةٍ لا تَتَوفَّرُ لَدَى القِطَاعِ الخاص، فإذا ما قامَتِ الدُّولَةُ بذلك، فإنَّها قد زادَت مِنَ الْإِنتاجِ زِيادَةً مُبَاشِرَةً.
2. الإعاناتُ المُوَجْهَةُ للقطاع العام : قد تَقومُ الدَّولة بزيادَةِ النَّفَقاتِ العَامَّةِ، وَعَلَى إِثرِ ذلِكَ تَزيدُ الإنتاج عن طريق منح إعانات للقطاع العام الذي يَقومُ أصلاً بإنتاج السَّلعَةِ أو سلع مُعَيَّنَةٍ، وَتَكون هذه الإعانات نقدية إذا ما لا حَظَتِ الدُّولَة أَنَّ بَعضَ مشروعات القطاع العام الإنتاجِيَّةِ تُعاني من عجز في مُوازَنَاتِها، وَتَتَطَلَّبُ إِعاناتٍ تساعِدُها في التخلص من العَجزِ، وَهُوَ ما يُساعِدُها في تَجاوُزِ محنتِها وَزِيادَةِ الإنتاج، أو عندما لا يكون هناك عَجز ، وإِنَّما تهدف الدولة من دفع تلك الإعانات النَّقْدِيَّةِ لِغَرَضِ التَّخْفِيفِ مِن تَكاليف الإنتاج التي تساهم في زيادة القابليات الإنتاجية أو مُضاعَفَتِها، هذا وقد تستخدِمُ الدَّولة الإعانات العينية المتمثلة بالآلاتِ وَالتَّقْنِيَّاتِ الحديثة، لتزود بها المشروعات الإنتاجية العامة، بُغية مُساعَدَتِها في تقليل تكاليف الإنتاج، فتزيدُ مِن قُدرَتِهَا عَلَى الإنتاج.
3. الإعاناتُ المُوَجْهَةُ للقطاع الخاص : إذا كانَتِ الوَسيلَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ المَعمولُ بها في الدُّوَلِ الَّتي تُشجَعُ القِطاع العام، وَنَخْصُّ بالذكرِ الدُّول الإشتراكِيَّةَ، غَيرَ أَنَّ الدُّوَلَ الرأسمالية، غَدَتِ اليَومَ تَتَدَخَلُ لِحَالِ بَعض المُشكِلاتِ الإقتصادية، عبر تقديم الإعانات للقطاع الخاص الَّتي تُشكِّلُ وَسيلَةَ لِزِيادَةِ الإنتاج، إما بالإعاناتِ النَّقْدِيَّةِ أو ما تعودُ لِذات الأسباب التي تدفَعُ الدُّوَل إلى تقديم الإعانات للقطاع العام، أو بالإعاناتِ الصَّالِبَةِ أو الإعفاءاتِ الضَّريبِيَّة أو ما يُسمّى بالفراغ الضريبي، إذ أَنَّ مَنحَ هذه الإعاناتِ السَّالِبَةِ ، يُقلّل من تكاليف الإنتاج، لأنَّ الضَّرِيبَةَ تُعَدُّ إحدى التكاليف التي يُحاوِلُ المُنتجون تحميلها للمستهلكين ، عَن طريق رفع أسعار السلع، فيتم الإعفاء مِنَ الضَّريبة لتقليل تكاليف الإنتاج الذي يُساهِمُ فِي زِيادَةِ قُدرَةِ المُنتجِينَ على الإنتاج، بالإضافة إلى التخفيض مِنَ الأسعار الذي يقود إلى زيادَةِ الطَّلب الذي يُؤدّي إلى زيادَةِ الإنتاج، لِمُواجَهَةِ ذلك الطلب، كما أَنَّ ذلِكَ قَد يَدفَعُ المُنتجِينَ في قطاعات الإنتاج الأخرى لِلتَّحَوُّلِ إلى إنتاج السّلعَةِ الَّتِي أُعفِيَ إنتاجها مِنَ الضريبة، عِندَ إمكانية التَّحَوُّلِ.
ب- الآثارُ غَيرُ المُباشِرَةِ لِزِيادَةِ النفقات العامة على الإنتاج: لا يَعْتَصِرُ أَثَرُ ارْدِيادِ النفقات العامَّةِ في ترتيب آثارٍ مُباشِرَةٍ عَلى الإنتاج، وَإِنَّما يَمَتَدُّ إِلى أَبعَدَ مِن ذَلِكَ، إِذ بالإضافة إلى وَسائِلِ التَّأثيرِ المُباشر في الإنتاج، يُمكِنُ لِلدُّولَةِ استخدامَ النَّفْقَاتِ العامة للتأثير بصورة غير مُباشِرَة عَلى الإنتاج وزيادَتِهِ، فَتُؤَثِرُ هَذِهِ الوَسائِلُ في الطلب الحكومي أو الفردي، وبالتالي التأثيرُ في الطَّلَبِ الكُلِّي الَّذِي يُؤثِرُ بِدَورِهِ في العَرضِ الذي يَزيدُ مِن الإنتاج، وتَتَمَثَّل هذهِ الوَسائِلُ بِالنَّفقات الإجتماعية وَالتَّفَقاتِ العَسكَرِيَّةِ، وَالَّتِي مَنْبَيِنُها فيما يَأْتِي (3):
1. النفقات الإجتماعية : قد تَأخُذُ هذه النفقات صورة تحويلات نقدية، أو تحويلات عَينِيَّةٍ في شَكلِ سِلْعِ وَخَدَماتٍ، وفي كلا الحالتين فإنَّها تُؤثِرُ هِيَ الأخرى على الإنتاج القومي (4). وَيَتَحَدَّدُ هَـدَفُ النَّفْقَاتِ في (التحويلات النقدية)، إلى تحويل جُزءٍ مِنَ القُوَّةِ الشرائية لمصلحة الفئات محدودة الدخل، مثل إعانات البطالة وَمُسَاعَدَاتِ الضَّمَانِ الإجتماعِي، وَيَصعُبُ مَعرِفة أثر هذه الثقاتِ عَلى حَجم الإنتاج بشكل دقيق، بيـد أَنَّهُ وَبِالنَّظَرِ لِطَبيعَةِ الفِئات الإجتماعِيَّةِ المُستفيدة من هذه التحويلات، وارتفاع الميل الحَدِي لِلإستهلاك لدى هذه الفئاتِ، فَإِنَّ الصُّورَة الطَّبِيعِيَّةَ أَن يَتَّجِهَ المُقابِلُ النَّقْدِيُّ لِلصَّرفِ عَلَى استهلاكِ السَّلَعِ الأَساسِيَّةِ، وبالتالي يزدادُ الطَّلَبُ عَلَى هَذِهِ السَّلَعِ، فيزداد إنتاجها (5)، هذا ويُلاحظ أن الدولة لا تُحَقِّقُ من وراء هذه التحويلاتِ النَّقْدِيَّةِ خَلَقَ قُوَّةٍ شِرائِيَّةٍ جَديدَةٍ لِهَذِهِ الطَّبَقَاتِ، تُساعِدُ عَلى تَحسينِ أَوضَاعِهَا فَحَسَبٍ، وَإِنَّمَا تتحاشى بهذه التحويلات الفلافل الإجتماعية، التي لا بُدَّ أَن تَحدِّثَ إِذا زادَ عَدَدُ العاطلين والعاجزين عن الكسب، هذا بالإضافَةِ عَلى العَوامِلِ الإنسانِيَّةِ الَّتي تَتَضَمَنُها مِثلُ هذه النفقات التحويلية، وَرُدود الفعل السّياسِيَّةِ وَالإجتماعية التي تُحدِثها، وَتَسْتَقِيدُ مِنها الدولة (6).
وَعِندَما تَأخُذُ النفقات الإجتماعِيَّةُ شَكل مُساعداتٍ عَينِيَّة (تحويلاتٌ عَينِيَّة)، مثل خدمات الإسكان والتعليم المَجَانِي، فَإِنَّ مِن أبرز آثارها المُبَاشِرَةِ، هُوَ تَشجِيعُ استهلاك سلع وخدماتٍ مُعَيَّنَةٍ ، تُعطيها الدولة الأولوية، وَتَرى أَنَّهَا تَتَّفِقُ وَأهدافها الإقتصادية والاجتماعِيَّة، إذ تَستَطيعُ الدَّولَةُ عَن طَرِيقِ عَلَاقَتِهَا مَعَ المُنتجِينَ لِهَذِهِ السلع والخدمات (بوصفها مُشتَريَةً وَسُلطَةً عامةً)، أن تُمارس دوراً تَحَكمياً في سوق هذه السلع والخدمات، بشكل تُوجه الدولة بهِ ذلك السوق بما يُحَقَّقُ المنفعة العامة، كَتَدَخُلِ الدُّولَةِ في قطاع الإسكان وتشييدها لِلمَساكِنِ الإقتصادِيَّةِ لِلفِئات الإجتماعِيَّةِ ذاتِ الدخل المحدود، فإنَّها بذلِكَ تُشجّع الإنتاجَ الصَّناعِيَّ المُتَعَلِّقَ بِمَوادِ البِناءِ، فضلاً عَنِ الحَد مِن استغلال المُلاكِ العِقارِينَ لِلمُستَأْجِرِينَ، كَمَا أَنَّ شِراءَها لسلع وَخَدَمَاتٍ تَتَعَلَّقَ بِالمَجالَاتِ الصَّحِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ والتعليمِيَّةِ، مِن شَأْنِهِ أَن يُساهِمَ بِرَفْعِ المستوى الإجتماعي للمواطنين، مما يُتيحُ لَهُم مُمارسة نشاطهم بكفاءة أعلى، وَهُوَ ما سَيُؤثر في رفع إنتاجِيَّةِ العَمَلِ بِشكل إيجابي(7).
2. النفقات العسكَرِيَّةُ: إِنَّ أَهَمِيَّة ازديادِ النفقات العسكريَّةِ غَدَت تُمَثَلُ عِباً اقتصادياً متزايداً على الموازنة العامة في دُولٍ كَثيرَةٍ، غير أنَّ البحث عَن آثارِها، تُحيط بِهِ صُعوباتٌ جَمَّةً، من أبرزها هُوَ أَنَّ النَّفْقَة تَخرُجُ في كثيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ عَنِ النِّطَاقِ الإقتصادي، لتستقر في المجال السياسي والإستراتيجي، مِمَّا يَعْني أَنَّ التَّحَكُمَ بِها يُعد أمراً صعباً، ولذلك فإن على الدولة أن تكون في غاية الحَدْرِ، لِما تُسَببه هذه الآثارُ مِن أخطار اقتصادِيَّةٍ يَنبَغِي ثلافيها(8).
إِنَّ إِنَّجاة الفكر المالي التقليدي قائِمَ عَلى تصنيف النفقات العسكرية بأنها استهلاكِيَّةٌ غَيرُ مُنتِجَةٍ، خِلافاً لِما ذَهَبَ إليه الفكرُ المالِيُّ الحَدِيثُ، القَائِمُ عَلَى التَّمييز في شَأْنِها بَينَ مَا يُعَدُّ نَافِعاً وَما يُعدُ ضاراً، بحسب الظُّروفِ الَّتِي تَكونُ عَلَيْهَا الدُّولَةُ وَيَتم فيها الإنفاق العسكري، ولهذا فَهُوَ يُميّزُ بِصِفَةٍ عامَّةٍ بَينَ نَوعَينِ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي تطرأ على الإنتاج القومي من جراء هذا الإنفاق وَهُما الآثارُ الإِنكِماشِيَّةُ وَالآثَارُ التوسعية (9).
وَتَتَسَبَّبُ النَّفَقاتُ العَسكَرِيَّةُ في الآثار الإنكِماشِيَّةِ، عِندَما تَقومُ الدُّولَةُ بِتَحويل بَعضٍ عَناصِرِ الإنتاج من قطاع الإنتاج المَدَنِي المُخصص لإشباع الحاجات الخاصة إلى العَمَلِيَّاتِ العَسكَرِيَّةِ، وَعِندَئِذٍ يَتَقَلَّصُ حَجم الإنتاج العادِي لِلأَفرادِ وَيُفضي إلى التقليل من الإستهلاك الخاص، بالإضافة إلى ذلك فإن النفقات العسكَرِيَّةَ تُؤَدِّي وَبِما فيها الإستهلاك الحربي إلى منافسة الإنتاج والإستهلاك الفرديينِ بِصورَةٍ غَيرِ مُتَكَافِئَةٍ، الأُمـرُ الذي يُؤدّي إلى ارتفاع أسعارٍ عَناصِرِ الإنتاج، مِمَّا يُؤدّي إلى تَخفِيفِ الإستهلاك الكلي للمجتمع، هذه هي الآثارُ السَّابِيَّةُ لِلإنفاق العسكري، والتي تزداد خطورتها كلما زادت نسبة هذا الإنفاق مِنَ الدَّخل القومي (10).
أَمَّا عَنِ الْآثَارِ التَّوَسُعِيَّةِ في حجم الإنتاج القومي، فيثمَثَلُ عِندَما تَستَخدِمُ الدُّولة هذه النفقات في تأسيس صناعاتٍ مُعَيَّنَةٍ أو مُنشئاتٍ حَيَوِيَّةٍ، مثل المطارات والمواني وَالطَّرْقِ وَالجُسورِ وَالسُّدود، التي يستفيد منها الإقتصاد القومي مـا بعـد الـحَـرب، إذا كانت فائِضَةَ عَن حَاجَةِ الإنتاج الحربي، كما إِنَّ مِنَ المُتَّفقِ عَلَيهِ أَنَّ الإنفاق العسكرِيَّ يُؤَدِّي إلى تقدم علمي في فنون الإنتاج، إذ تُخَصَّصُ نِسبَةٌ كبيرةٌ مِنهُ لِلبُحُوثِ العِلمِيَّةِ، وَبِالرَّعْمِ مِن أَنَّ الإنتاج الحربِيَّ يُعَدُّ مُفيداً في الأجلِ القَصيرِ، إِلَّا أَنَّ أَثَرَهُ يَمَتَدُّ إلى الإنتاج القَومِي كُلِّهِ، فَقَد دَفَعَتِ الحُروبُ الحَدِيثَةُ الكَثيرَ مِنَ الدُّوَلِ إلى استقطابِ العُلَمَاءِ وَرِجالِ الصناعَةِ نَحوَ إنشاء صناعاتٍ جديدةٍ، يُستَفادُ مِنها في المجالينِ الحَربِي وَالمَدَنِي معاً (11).
وتجدر الإشارة أخيراً، إلى أن هناك جانباً من الفقه (12)، يرى بِعَدَمِ إِمَكانِيَّةِ القَولِ أَنَّ النفقات العسكرية هي نفقات استهلاكِيَّة بصورة مُطلَقَةٍ كَما ادعى الفِقهُ التَّقْلِيدِيُّ، وَلا يُمكِنُ القَولُ بأنها إنتاجِيَّة كَما زَعَمَ الفِقه الحديث، لأن مسألة استهلاكِيَّةِ أَو إنتاجِيَّةِ النَّفَقاتِ العَسكَرِيَّةِ تَختَلِفُ مِن دَولَةٍ إلى أخرى، إذ تُشكَّل النفقاتُ العَسْكَرِيَّةُ استهلاكاً في الدُّوَلِ النَّامِيَةِ وَالدُّوَلِ المُتَقَدِّمَةِ التي لا تَملِكُ صِناعات عَسكَرِيَّةٍ، وَتُعَدُّ إنتاجِيَّةَ في الدُّوَلِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي وَلَجَتِ الصِّناعات العسكرية، فالمعيارُ هُوَ مَـدَى وُجودِ الصناعاتِ العَسْكَرِيَّةِ مِن عَدَمِهِ.
ثانياً : أثر ازدِيادِ النفقات العامة على التوزيع: يُصاحِبُ النمو الاقتصادِي عادَةَ، في الدُّوَلِ الَّتي تَأخُذُ بِالمُلكِيَّةِ الخاصة لوسائل الإنتاج، اتساع الفروقِ بَينَ الطَّبَقَاتِ فـي المُجتَمَعِ ، فَالطَّبَقاتُ الغَنِيَّةُ تَزدادُ ثراءً، بينما تزدادُ الطبقات الفقيرَةُ بُؤساً، وَيَرجِعُ ذلِكَ لسوء توزيعِ النَّاتِج واستئثار مالكي وسائل الإنتاج بالقدر الأكبَرِ مِنهُ، وَنَظراً لِما يُمَثَلُهُ هذا الوضعُ مِن مَخاطِرَ سِياسِيَّة، فإنَّ السلطات العامة لا تَتَرَدَّدُ في التَّدَخُلِ لِعِلاجه، عبر استخدام ما لها من مَقدِرَةٍ في فرضِ الضَّرائب النَّصاغدِيَّةِ، وَعَلَى تَوجيه الإنفاقِ العام نحو تقليل الفوارق بين الطبقات (13).
وَيُؤثر ازدياد النفقات العامة في توزيع الدخل القومِي عَلَى مُختَلَفِ طَبَقَاتِ المجتمع من طريقين (14):
الأَوَّل: إِنَّ جَميعَ الأفراد يتمتعون بالخدمات العامة غير القابلةِ لِلتَّجْزِنَةِ، بَيدَ أَنْ نَفَقَاتِ هذِهِ الخَدَماتِ يَتَحَمَّلُ الجُزء الأكبَرَ مِنها أصحابُ الدُّخولِ الكَبِيرَةِ، وَبِهـذا يُعَدُّ الإنفاق عَلَى تِلكَ الخَدَمات نقلاً لِلدَّخل من أصحاب الدخول الكبيرة إلى أصحاب الدخول الصغيرة.
الثاني: إِنَّ الطَّبَقَاتِ الفقيرة تستفيد من بعض الخدمات العامَّةِ أكثرَ مِن استفادَةِ الطَّبَقَاتِ الغَنِيَّة منها، ومن هذا القبيل إعانات البطالة، والمُستشفيات وَدُورُ الْأَيامِ وَالْعَجَزَةِ، وَعَلَى ذلِكَ يُعَدُّ ازدياد الإنفاق على تِلكَ الخَدَمات نقلاً للدَّخل من أَصحابِ الدُّخولِ المُرتَفِعَةِ إلى أصحابِ الدُّخولِ المُنخَفِضَةِ.
بيد أن ما ذكرناه بشأن أثرِ ازدياد النفقات العامة على التوزيع، لَيسَ مِنَ السُّهولةِ بِمَكانٍ ، إذ أَنَّ استخدام النفقات العامة لوحدها كأداة لإعادة التوزيع لا يكفي لِوَحدِهِ، وَإِنَّمَا يَتَطَلُّبُ الأَمرُ الإستعانَةَ بِالضَّرائب كأداة مُسائِدَةٍ، تَعْمَلُ جَنبِاً إِلَى جَنبٍ مَعَ النفقات العامة، عبر قيام الدُّولَةِ بِفَرضِ الضَّرائب المُباشِرَةِ الَّتِي يَتَحَمَّلُ وَقَعَهـا ذُوو الدخولِ المُرتَفِعَةِ وَإِنفَاقِ حَصِيلَتِها كَإعاناتٍ نَقدِيَّةٍ لِذَوي الدخولِ المَحدودَةٍ أَو كَخَدَماتٍ يَستَفيد منها أفراد هذه الفِئَةِ(15).
وَبِالإِنتِهاءِ مِن بَيانِ أهم الآثار الإقتصادِيَّةِ النَّاتِجَةِ عَنِ ارْدِيادِ النفقات العامة تكون قد تكاملت لدينا فكرة عامَّةٌ وَمُبَسْطَةٌ عَن هذه الآثار التي يَنبَغِي أَن تَتَقَرَّرَ في ضَوئِها مُختلف القواعِدِ الحاكِمةِ لِنَشاطِ الدَّولة المالي، حَتَّى يَجِيءَ الْإِنفَاقُ العَامُ مُحَقِّقاً للغاياتِ المُتَّفقِ عَلَيها بِشأنِهِ، في السياستَينِ الإقتصادِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ لِلدُّولَةِ (16).
وقبل الفراغ مِنَ الحَديثِ عَنِ الآثارِ الإقتصادِيَّةِ لِزِيادَةِ الإنفاق العام، فَمِنَ الجدير بالذكر أن لا إمكانية لِتَخصيص نوعٍ مُعَيَّنٍ من أنواع النفقات العامة لإحداث آثار اقتصادِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، إذ من الخطأ مثلاً القول بأن التحويلات النَّهْدِيَّةَ وَالعَينِيَّةَ الممنوحة لأفراد الطَّبَقات الفقيرة، لا تُؤَثِرُ عَلى المُستَوى الجَمعِي أو لا تُغَيِّرُ مِن مُستَوى العمالة، أو أن نقول إنَّ مُشتَرَياتِ الدُّولَةِ مِن السلع والخدمات لا تُؤدّي إلى إعادة توزيع الدخل، فكُلُّ نَوع من أنواع النفقات الإقتصادِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ آثاراً اقتصادية في سائِرِ مُستويات النَّشاط الاقتصادِي، وَإِنِ اخْتَلَفَ تأثيرُها عَلى مُتَغَيرِ مُعَيَّنٍ قُوَّةً وَضَعفاً، وهكذا فَإِنَّ تَحديدَ الأثر الإقتصادي المطلوب إحداثه بدقة (في طبيعتِهِ وَمَدَاهُ الزَّمَنِي يَجْعَلُنَا نُفَضِّلُ نوعاً مُعَيَّناً مِن أنواعِ النَّفْقَاتِ العامَّةِ عَلى غَيرِهِ، لَيسَ لأَنَّهُ هُوَ النَّوعُ الوحيد الذي يُنتج هذا الأثرَ ، وَلكِنَّهُ أكثرُ الأنواع فاعِليَّة في تحقيق الأثر المطلوب، وأقلها فاعلية في إحداث أعراض جانبية غير مرغوبة (17).
وأما في العراق، فإنَّ استمرار تصاعد وتيرة الإنفاق العام لا سيما الموازنة التشغيلية (رواتب وأجورُ مُنتسبي الدولة فضلاً عَنِ المنح والإعاناتِ وَالمَنافِع الإجتماعية وَمُشترياتِ الدُّولَةِ مِنَ السلع والخدمات)، وَما يَتَرثُبُ عَلى ذلِكَ مِنِ ارْدِيادِ الطَّلَبِ الكُلِّي، في ظِلِ عَدَمِ مُرونة الجهاز الإنتاجي وتنامي الإستيراد ولمختلف أنواع السلع لِتَعْطِيَةِ مُتَطلَّباتِ السّوقِ، سَيُؤدّي إلى إحداث آثارٍ اقتصادِيَّةِ تَتَمَثَّل بزيادَةِ الضُّعُوطِ النَّضَحُمِيَّةِ والإرتفاع المُستَمِر في الأسعار ، مما يتطلب اتِّباعَ سِياسَة مالِيَّةٍ تَضمَنُ كَفاءَةِ إِدارَةِ الإنفاق العام وتشجيع ودعم المشاريع الإنتاجية، وبما يضمن تحقيق الإستقرار الإقتصادي (18).
_______________
1- د. رائد ناجي أحمد: علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط 1 ، العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2012 ، ص37.
2- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط 1 ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ص 45 - 46.
3- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط 1 ، مطبعة جامعة تكريت تكريت 2013، ، ص: 46 - 47.
4- د. عادل أحمد حشيش أساسيات المالية العامة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1992، ص 120 - 121
5- د. طاهر الجنابي: علم المالية العامة والتشريع المالي، طبعة منقحة، المكتبة القانونية، بغداد، بلا سنة نشر، ص : 47.
6- د. عادل أحمد حشيش اصول المالية العامة – دراسة تحليلية لمقومات مالية الاقتصاد العام مؤسسة الثقافة الجامعية الاسكندرية 1983 ، ص: 121.
7- د. سعود جايد مشكور العامري ود. عقيل حميد جابر الحلو : مدخل معاصر في علم المالية العامة، ط2، دار المناهج للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2020 ، ص: 42.
8- د. محمد جمال ذنيبات المالية العامة والتشريع المالي، ط 1 ، الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2003، ص: 110.
9- د. عادل أحمد حشيش أصول المالية العامة، مصدر سابق، ص: 122.
10- د. طاهر الجنابي: مصدر سابق، ص: 49.
11- د. سعود جايد مشكور العامري ود. عقيل حميد جابر الحلو : مدخل معاصر في علم المالية العامة، ط2، دار المناهج للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2020، ص:43
12- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، مصدر سابق، ص 48.
13- د. مجدي شهاب اصول الاقتصاد العام – المالية العامة ط1 دار الجامعة الجديدة الاسكندرية مصر 2004 ، ص: 248.
14- د. محمود رياض عطية موجز في المالية العامة، دار المعارف بمصر، 1969 ، ص:76 - 77.
15- د. أحمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، مصدر سابق، ص: 49.
16- عادل أحمد حشيش أصول المالية العامة، مصدر سابق، ص: 129.
17- د. عادل أحمد حشيش المصدر ذاته، ص: 129 - 130.
18- د. كمال حامد آل زيارة تطور النفقات العامة وهيكليتها في العراق، بحث منشور في مجلة أهل البيت، ع 15، بدون سنة، ص: 24 - 25.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد