دور الاقتصاد السُّلوكِيّ في الحَدِ مِن ظَاهِرَةِ ازدياد النَّفَقاتِ العَامَّةِ
المؤلف:
اديب عدنان إبراهيم
المصدر:
ظاهرة ازدياد النفقات العامة في العراق
الجزء والصفحة:
ص38-41
2025-10-05
564
بَعدَ أَن تَحَدَّثنا عَن مَضمون الإقتصاد السلوكي بصورة عامة، لابد أن نتسائل عَن مَدى إمكانِيَّةِ الإستِفَادَةِ مِن أساليب الإقتصادِ السُّلوكِي وَدَورِهـا فـي الـحَـد مـن ظـاهرة ازدياد النفقات العامة؟
وكيفَ تَضمَنُ التِزامَ وَتَفاعُل الأفرادِ مَعَ المُؤسَّسات العامَّةِ، وَتَوجيهَهُم بِالطَّريقِ الَّذِي يُراعي المصلحة العامَّةَ وَيُحافِظُ عَلى مَوارِدِ الدَّولَةِ وَيُسهِمُ في تَرشيد الإنفاق العام؟
لا سيما إذا ما عَلِمنا أنَّ الإقتصاد السُّلوكِي لا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّنظيرِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَطبيق عَمَلِي يَهدِفُ إِلى مُعَالَجَةِ الكثير من القضايا، وبأسلوبه الذي يمتاز بِالسُّهولة وَالبَسَاطَةِ وَالتَّكْلِفَةِ المُنخَفِضَةِ وَكبير الأثر الذي يُحقِّقُهُ، وَالَّذِي يَلقى قبولاً لدى الأفراد.
واستناداً عَلى ما تَقَدَّمَ، وَبِصَدَدِ دَور الإقتصاد السلوكي في الحد من ظاهِرَةِ ازدياد النفقات العامَّةِ، وَعَلى سبيل المثال، فقد أعلنت الحكومة البريطانية أنَّهُ بَعدَ (18) شهرٍ مِن تَدَخُلِ وِحدَةٍ فَرِيقِ البَصائِرِ السُّلوكِيَّة (1) في السّياسَةِ العَامَّةِ، فَقد ثُمَّ تَوفِيرُ أَكْثَرَ من (300) مليون جنيه إسترليني، وقد أكَدَتِ الوحدة المذكورة في عام (2013)، بأنَّه وَخِلالَ السَّنَواتِ الخَمسِ القَادِمَةِ سَتَقومُ المَشروعات الجارية بتخفيض الإنفاق العام بنحو (300) مليون جنيه إسترليني أُخَرٍ ، وَلا يَزال هناك الملياراتُ مِنَ الجُنيهاتِ الَّتِي يُمكِنُ وصفها بأنَّها مُدَّخراتٌ مُحتمَلة (2).
وَيَتَمَثَّلُ دَورُ الإقتصادِ السُّلوكي في الحد من ظاهرة ازدياد النفقات العامة أيضاً بما يسعى إليه الإقتصاد السُّلوكِيُّ مِنَ الإبتعادِ أَوِ التَّخفيفِ قَدَرِ الإمكانِ مِنَ النَّهج النفعي المادي البحث، كاستخدام الحوافز الماليَّة التَّرغيبية، لما تَتَسبَّبُ بِهِ هَذِهِ الحَوافِزُ من خسائر كبيرَةٍ عَلى الدُّولَةِ، فَالشَّعبُ وَالدَّولة هُمُ الأولى بهـذِهِ المَبالِغ من أن تُمنح لبعض الأفراد في سَبيلِ حَتَّهِم وَتَشجيعهم للإمتثال لقواعِدَ قانونِيَّةٍ يُمكن إجراء بعض التعديلاتِ عَلَيها وبما يَضمَنُ قابليتها للتنفيذ وبصورة أ رَةِ أَكْبَرَ ، مِن دون الحاجة إلى منح تلك الحوافز، ليس هذا فحسب، وَإِنَّما حَتَّى الإعفاءاتُ السَّابِيَّةُ مِن بَعض الإلتزامات المالية، فهي بمثابة الكسب الفائِتِ عَلَى الدَّولَةِ وَمُؤسَّساتِها العامَّةِ، وَالَّتي لا يَجِبُ التفريط بِهِ في حالِ وُجودِ البدائل الأخرى، لا سيما وأنَّ النَّجارِبَ أَثْبَتَت في جَمِيعِ الدُّوَلِ أنَّ الحوافز المالية لا تكفي وَحدَها لِضَمان تنفيذ القوانين التي تَضَمَنَتِها بِنِسبَةٍ كَامِلَةٍ، مما يدعو للتفكير بالتَّخلّي عنها أو ضرورة تطعيمها بِبَعْضِ الوَسائِلِ النَّفْسِيَّةِ وَالإِجْتِمَاعِيَّةِ بِالقَدَرِ الَّذي تَسمَحُ بِهِ الظُّـروفُ، وَرُبَّما يكونُ أُسلوبُ التَّدَرُّجِ هُوَ الْأَنسَبُ بِدَايَةً حَتَّى يَتِمَّ التَّوَصُّلُ إِلى البَدائِلِ المُناسِبَةِ(3).
كَما يُمكِنُ الحَدُّ من ظاهِرَةِ ازدياد النفقات العامَّةِ عَبَرَ الإستفادَةِ مِن أَدَواتِ الإقتصاد السلوكي، واستخدامها للتخلص من مُشكِلاتٍ عديدة، كالإستهلاك المُرتفـــع للكهرباء أو إهدار المياه أو تخطي إشاراتِ المُرور وغيرها، إذ يَتِمُّ في مِثلِ تِلك الحالاتِ تحديدُ النَّوازِعِ السُّلوكِيَّةِ الَّتي تُحَفِّزُ عَلى ارتكاب السُّلوكِ المُضِرِ ، وَصِيَاغَةِ سِياساتٍ فَعَالَةٍ لِمُعالَجِةِ هَذِهِ المُشكِلاتِ، بناءً على اعتباراتِ التَّوعِيَةِ السُّلوكِيَّةِ لِلمُواطِنينَ (4).
ومن أجل تجسيد دور الإقتصاد السلوكي في تحقيق الأهداف المرسومة، فقد اتَّجَهتِ العَديدُ من دُولِ العالم المُتَقَدِّمَةِ وَالنَّامِيَةِ فضلاً عَنِ المُؤسَّساتِ إِلى تَبَنّي السياسات السُّلوكِيَّة، عبر تأسيس وحدات التنبيه أو البصائر السُّلوكِيَّة (5)، وفي الحقيقة فَإِنَّ تَجارِب تطبيق السياسات السلوكية كثيرَةً وَمُتَعَذِدَةً، وهي ما تزال تحظى بالقبول وَتَتَوسَّعُ لِتَشمَلَ دُولاً وقِطاعَاتٍ وَمُؤسَّساتٍ دَولِيَّةٍ أكثرَ ، وَمِن أَمثَلَةِ الدُّوَلِ وَالمُؤسَّساتِ التي تبنت وحدات البصائر السُّلوكِيَّةِ هِيَ (6) :
عَلى المُستَوى العالمي:
1. الولاياتُ المُتَّحِدَةُ الأمريكيَّةُ: تَمَّ تَأسيسُ ( فَريق مِن الخُبَراءِ السُّلوكِيِّينَ وَالْإِجْتِمَاعِيِّينَ).
2. بريطانيا: ثُمَّ تَأسيس الوحدة السلوكية (وحدَةُ البَصائِرِ السُّلوكِيَّة).
أَمَّا عَلى مُستَوى المُؤسَّساتِ الدُّولِيَّة:
3. البنك الدولي: تَمَّ إِنشَاءُ وَحدَةِ الذَّهَنِ.
وَعَلَى مُستَوى الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ:
4. المملكة العربية السعودية: تم إنشاء شركة (هوز) التي تضطلع بتطوير برامج للإقتصاد السلوكي لصالح الحكومة، كما أنشأت وزارة الإقتصاد والتخطيط المركز الوَطَنِيَّ للدراسات الإستراتيجيَّةِ التَّنمَوِيَّةِ الَّذي يَضُمُّ (وِحدَةَ التَّصَوُّرِ السُّلوكِي).
5. الكُوَيتُ : تَمَّ إنشاء (وحدَةِ الحَقِّ السُّلوكي) في مركز السياسات العامَّةِ التَّابِعِ للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية الكويتية.
6. قَطَرُ : ثُمَّ إنشاءُ وِحدَةِ قَطَرَ لِلتَّوجيه السُّلوكِي).
7. عُمان : أنشأت الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط (مَكتَبَ الاقتصاد السلوكي)
وَهُوَ وِحدَةٌ مَركزِيَّةٌ لِصُنعِ السّياسات العامَّةِ وَتَحسين نتائجها.
8. لُبنانُ : تَختَلِفُ تَجرِبَهُ لَبَنانَ عَن بَقِيَّةِ التَّجارب، إذ كانَ تَأْسِيسُ الجَمعِيَّةِ اللبنانِيَّةِ للإقتصادِ السُّلوكِي بِمُبادَرَةٍ غيرِ حُكومِيَّةٍ وَغَيرِ رِيحِيَّة.
9. الإماراتُ العَرَبِيَّةُ المُتَّحِدَةُ: بِالرَّعْمِ مِن عَدَم وُجودِ وحدَةٍ تَحتَ مُسَمَّى (وِحدَةً تَبَصُّرٍ أَو وحدَةً حَبَّ مُلوكِي)، وَلكِن ثَمَّ إنشاء (وزارَةُ اللَّامُستحيل)، وَالَّتِي تَتَبَنِّى السياساتِ السلوكية.
وَأَمَّـا العِراقُ، فَبَعدَ البَحث عن مدى تأسيس وحدَةٍ للتنبـهِ أَوِ الحَثِ السُّلوكِي، فَلَـم تجد ما يُشيرُ إلى ذلك، وقد يعودُ التَّرَدُّدُ أو عَدَمُ تَبَنّي السياسات السلوكية، إلى حداثة النُّجرِبَةِ.
وَنَأْمَلُ أَن تَتَسارَعَ الخُطى نحو تَبَنّي السياساتِ السُّلوكِيَّةِ عَلَى مُستَوى الدُّولَةِ وَمُؤسَّساتِها ، وَأَن يَتِمَّ تَأْسيسُ وحدات سلوكية، للإستفادة من أساليب الإقتصاد السلوكي في المجالات المُختَلِفَة، ولا سيما في الحَدّ من ظاهرة ازدياد النفقات العامة.
وبصورة عامة فإنَّ العِراق، لم يستفد من مُحاولات الحد من ازدياد النفقات العامَّةِ، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَأثر سلباً، ومن ثمَّ تَزداد نفقاته العامة كثيراً، مُقارنة بغيرهِ مِنَ الدول.
___________
1- تأسست وحدَةُ البَصائر السلوكية في المملكة المتحدة في عام (2010) ، إبان عهدِ حُكومة رئيس الوزراء (ديفيد ماكرون)، وبقيادة المتخصص في علم النفس - الدكتور ديفيد) هالبرن)، وقد استعان فريق الوحدة بخبرات الدكتور ريتشارد ثائر مؤلف كتاب Nudge الشهير في عام (2008) إذ يُعَدُّ هذا الكِتابُ بِمَثَابَةِ النَّواةِ لتأسيس هذه الوحدة. (د. أحمد حسن النجار : الممارسات الدولية لوحدات تطبيق الإقتصاد السلوكي- الوكز - ومتطلبات نجاحها، بحث مقدم ضمن الفعالية الإقتصادية - بعنوان الوكز السلوكي The Nudge Units ، مركز الكويت للإقتصاد الإسلامي، الكويت -11 13 آذار / 2019، ص:12).
2- د. أحمد حسن النجار : الإقتصاد السلوكي وتطبيقاته عالمياً، ط1، مكتبة الملك فهد، 2019 ، ص : 68 .
3- د. أحمد خلف حسين الدخيل: الإقتصاد السلوكي ثورة ضد المبادئ التقليدية للقانون، ط1، مكتبة القانون المقارن، بغداد، 2020 ، ص:57 - 58
4- د. نازك حامد الهاشمي: حول الاقتصاد السلوكي في السودان، مقال منشور في صحيفة سودانايل بتاريخ (14/ أيار (2021) على الرابط : https://sudanile.com
5- أو ما تُسَمّى بـ (وحداتِ الحَبَّ أَوِ الوَكز، أو التَّصَوُّرِ ، وَغير ذلِكَ مِنَ المُسَمَّياتِ الأُخرى).
6- د. عبد الكريم أحمد قندوز استخدام الإقتصاد السلوكي في دعم عملية صنع السياسات الإقتصادية - تجارب إقليمية ودولية، سلسلة بحثية من اصدارات صندوق النقد العربي، ع ،19 ، تاريخ النشر: 2021/4/29، ص: 7 -8 ، على الرابط https://www.google.com
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة