خطب أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة المنوّرة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عند ما فعل غاصبو الخلافة ما فعلوا، وأنزلوا بالإسلام وأهل بيت النبوّة ما أنزلوا من المصائب. وتعرف تلك الخطبة ب خطبة الوسيلة. وهي خطبة مفصّلة وفي الإمام فيها وأحسن وأجمل بذكر المواعظ والنصائح والحكم وبيان الحقيقة، والدلالة على طريق السعادة، والتمتّع بجميع المواهب الإلهيّة الدنيويّة والاخرويّة، الجسميّة والروحيّة، الظاهريّة والباطنيّة، وبيان منزلته ومرتبته وموقعه ودرجته التي لا يبلغها نبيّ مرسل وملك مقرّب. ولا يمكن أن يدور في مخيّلتهما الوصول إلى تلك الذروة العليا والسنام الأعلى.
ولو لم يكن للشيعة غير هذه الخطبة، لكفى بها في تعريف مدرسته وبيان عظمتها. ولو عرف أهل المدينة يومذاك معناها ومغزاها وحقيقتها، وتركوا شيطنة رؤسائهم، وأنكروا ذواتهم بالتضحية والإيثار، وأجابوا دعوة الإمام، ووضعوا حكّام الجور والامراء والحكّام المنحرفين والمنتهكين في مواضعهم، وولّوا الإمام عليهم، لنزلت النعمة والبركة والرحمة والعافية والسعادة عليهم من السماء، وتفجّرت من الأرض، وغمرتهم من أربع جهات. ولاتّخذ التأريخ والإسلام والإمامة والقيادة طابعاً آخر. ولنظر الناس إلى أنفسهم في الجنّة. ولكن يا للأسف والخسارة والضياع فإنّ الطبيعة الشرِّيرة للإنسان المتوحّش والظالم لا تدعه يخرج من جهنّم، ويضع قدمه في مرحلة الحياة الخالدة. وقال اولئك العرب الضيّقي الافق للصدّيقة الكبرى: إنّ ما تقولينه صحيح، وهذه المقامات ثابتة لعليّ، ولكن مضت بيعتنا لهذا الرجل (أبو بكر) ولا يمكننا أن نرجع عنها[1].
وروى المرحوم محمّد بن يعقوب الكلينيّ هذه الخطبة كلّها في «روضة الكافي» عن محمّد بن عليّ بن معمر، عن محمّد بن عليّ بن عكاية التميميّ، عن الحسين بن نصر الفهريّ، عن أبي عمرو الأوزاعيّ، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد. قال: دخلت على الإمام الباقر عليه السلام وقلت: يا ابن رسول الله! قد أوجعني وآلمني اختلاف الشيعة في آرائها ومذاهبها! فقال الإمام: أ لا تحبّ أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا، ومن أي جهة تفرّقوا؟! قلت: بلى يا ابن رسول الله! قال: فلا تختلف إذا اختلفوا! يَا جَابِرُ! إنَّ الجَاحِدَ لِصَاحِبِ الزَّمَانِ كَالجَاحِدِ لِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أيَّامِهِ.
يا جابر: اسمع وعِ! قال جابر: إذا شئتَ[2]! قال الإمام: اسمع وعِ وبلّغ حيث انتهت بك راحلتك!
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيّام من وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه، فقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي مَنَعَ الأوْهَامَ أنْ تَنَالَ إلَّا وُجُودَهُ وحَجَبَ العُقُولَ أنْ تَتَخَيَّلَ ذَاتَهُ. وبعد الحمد البليغ والثناء الجميل، والصلوات على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبيان الآيات القرآنيّة الدالّة على إمامته. قال: فَإنَّ اللهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ امْتَحَنَ بي عِبَادَهُ، وقَتَلَ بِيَدِي أضْدَادَهُ، وأفْنَى بِسَيْفي حُجَّادَهُ؛ وجَعَلَنِي زُلْفَةً لِلْمُؤمِنِيْنَ؛ وحِيَاضَ مَوْتٍ على الجَبَّارِينَ، وسَيْفَهُ على المُجْرِمِينَ؛ وشَدَّ بي أزْرَ رَسُولِهِ؛ وأكْرَمَنِي بِنَصْرِهِ وشَرَّفَنِي بِعِلْمِهِ؛ وحَبَانِي بِأحْكَامِهِ، واخْتَصَّنِي بِوَصِيَّتِهِ؛ واصْطَفَانِي بِخَلَافَتِهِ في امَّتِهِ، فَقَالَ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ حَشَدَهُ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ وانْغَصَّتْ بِهِمُ المَحَافِلُ: أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ عَلِيَّاً مِنِّي كَهَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! فَعَقَلَ المُؤمِنُونَ عَنِ اللهِ نُطْقَ الرَّسُولِ، إذْ عَرَفُونِي أنِّي لَسْتُ بِأخِيهِ لأبِيهِ وامِّهِ؛ كَمَا كَانَ هَارُونُ أخَا موسى لأبِيهِ وامِّهِ؛ ولَا كُنْتُ نَبِيَّاً فَاقْتَضَى نُبُوَّةً ولَكِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِخْلَافاً لي كَمَا اسْتَخْلَفَ موسى هَارُونَ عَلَيْهمَا السَّلَامُ، حَيْثُ يَقُولُ: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [3].
ثمّ سرد أمير المؤمنين قصّة حجّة الوداع وغدير خمّ وبيان حديث مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، ونزول آية إكمال الدين وإتمام النعمة. وقال بعد بيان تسلّط الشيطان وإغوائه مفصّلًا: حَتَّى إذَا دَعَا اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ورَفَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُ ذَلِكَ بَعْدَهُ، إلَّا كَلَمْحَةٍ مِنْ خَفْقَةٍ، أوْ وَمِيضٍ مِنْ بَرْقَةٍ إلى أنْ رَجَعُوا عَلَى الأعْقَابِ؛ وانْتَكَصُوا على الأدْبارِ؛ وطَلَبُوا بِالأوْتَارِ؛ وأظْهَرُوا الكَتَائِبَ، ورَدَمُوا البَابَ؛ وفَلُّوا الدِّيَارَ، وغَيَّرُوا آثَارَ رَسُولِ اللهِ؛ ورَغِبُوا عَنْ أحْكَامِهِ؛ وبَعُدُوا مِنْ أنْوارِهِ، واسْتَبْدَلُوا بِمُسْتَخْلَفِهِ بَدِيلًا اتَّخَذُوهُ وكَانُوا ظَالِمِينَ.
وَزَعَمُوا أنَّ مَنِ اخْتَارُوا مِنْ آل أبي قُحَافَةَ أوْلى بِمَقَامِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمَّنِ اخْتَارَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِمَقَامِهِ؛ وأنَّ مُهَاجِرَ آل أبي قُحَافَةَ خَيْرٌ مِنَ المُهَاجِرِيّ الأنْصَارِيّ الرَّبَّانِيّ نامُوسِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
ألَا وإنَّ شَهَادَةِ زُورٍ وَقَعَتْ في الإسْلَامِ شَهَادَتُهُمْ أنَّ صَاحِبَهُمْ مُسْتَخْلَفُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْه وآلِهِ وسَلَّمَ.
وواصل الإمام خطبته حتّى بلغ قوله: ألَا وإنِّي فِيكُمْ أيُّهَا النَّاسُ كَهَارُونَ في آل فِرْعَوْنَ وكَبَابِ حِطَّةٍ في بَنِي إسرَائِيلَ وكَسَفِينَةِ نُوحٍ في قَوْمِ نُوحٍ! إنِّي النَّبَا العَظِيمُ، والصِّدِّيقُ الأكْبَرُ وعَنْ قَلِيلٍ سَتَعْلَمُونَ مَا تُوعَدُونَ! وَهَلْ هِيَ إلَّا كَلُعْقَةِ الآكِلِ، ومَذْقَةِ الشَّارِبِ، وخَفْقَةِ الوَسْنَانِ؟! ثُمَّ تَلْزَمُهُمُ المَعَرَّاتُ خِزْيَاً في الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذَابِ؛ ومَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. فَمَا جَزَاءُ مَنْ تَنَكَّبَ مَحَجَّتَهُ؛ وأنْكَرَ حُجَّتَهُ وخَالَفَ هُدَاتَهُ، وحَادَ عَنْ نُورِهِ، واقْتَحَمَ في ظُلَمِهِ، واسْتَبْدَلَ بِالمَاءِ السَّرَابَ؛ وبِالنَّعيمِ العَذَابَ، وبِالفَوزِ الشَّقَاءَ، وبِالسَّرَّاءِ الضَّرَّاءِ، وبِالسَّعَةِ الضَّنْكَ، إلَّا جَزَاءُ اقْتِرَافِهِ وسُوْءِ خِلَافِهِ؛ فَلْيُوقِنُوا بِالوَعْدِ عَلى حَقيقَتِهِ! ولْيَسْتَيْقِنُوا بِمَا يُوعَدونَ! يَوْمَ تَأتِي الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ؛ {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}[4]
[1] «الإمامة و السياسة» ص 13، طبعة مطبعة الامّة- مصر، سنة 1328 ه.
[2] أي إذا شئتَ يا ابن رسول الله سمعت و وعيت، و ما أخبرت أحداً من الناس. و لمّا ظنّ جابر أنّ مراد الإمام بقوله: و عِ، يعني لا تخبر أحداً من الناس، أجابه الإمام بأن قال: اسمع و عِ إلى أن تبلغ بلادك. فإذا انتهت بك راحلتك إلى بلادك فبلّغ شيعتنا! و أظهر هذه الحقائق!
[3] الآية 142، من السورة 7: الأعراف.
[4] «روضة الكافي» ص 18 إلی 30. و هذه الآیات في آخر الخطبة و هي الآيات الأخيرة من السورة 50: ق. و لكن جاء في. سورة ق قوله : یوم یسمعون الصیحة بالحق، بدلاَ من یوم تأتي الصیحة بالحق. و كذلك الآية التي استشهد بها قبل ذلك : الآية85، من السورة 2: البقرة. و ما الله بغافل عما تعملون. و لكن لما طبع في نسخة «روضة الكافي» عما یعلمون، و أنه لم يرد في القرآن و ما الله بغافل عما یعلمون ، و أن عبارة عما يعلمون ليس لها معني صحيح، فلهذا صححناها في المتن كما هي في الآية عما یعملون