قال آية الله السيّد شرف الدين العامليّ بعد ذكر كثير من هذه الأخبار: والصحاح الحاكمة بوجوب التمسّك بالثقلين متواترة، وطرقها عن بضع وعشرين صحابيّاً متضافرة. وقد صدع بها رسول الله صلى الله عليه وآله في مواقف له شتّى. تارةً يوم غدير خمّ، وتارةً يوم عَرَفَة في حجّة الوداع، وتارةً بعد انصرافه من الطائف، ومرّة على منبره في المدينة، واخرى في حجرته المباركة في مرضه، والحجرة غاصّة بأصحابه.
وقد اعترف بذلك جماعة من أعلام الجمهور. حتى قال ابن حجر -إذ أورد حديث الثقلين- ثُمَّ اعْلَمْ لحديث التمسّك بهما طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيّاً. ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشُّبَه.[1]
وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة، وفي اخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه. وفي اخرى أنّه قال ذلك بغدير خُمّ، وفي اخرى أنّه قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف. ولا تنافي، إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.[2]
وحَسْبُ أئمّة العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ.[3] وكفى بذلك حجّة تأخذ بالأعناق إلى التعبّد بمذهبهم. فإنّ المسلم لا يرتضى بكتاب الله بدلًا، فكيف ينبغي عن أعداله حِوَلًا؟
على أنّ المفهوم من قوله: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي. إنّما هو ضلال من لم يستمسك بهما معاً كما لا يخفى.
ويؤيّد ذلك قوله صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين عند الطبرانيّ: فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، ولَا تُقْصِرُوا[4] عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا، ولَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ.
قال ابن حجر: وفي قوله صلى الله عليه وآله: فَلَا تَقَدَّمُوهُمَا فَتَهْلِكُوا، ولَا تُقْصِرُوا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا، ولَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإنَّهُمْ أعْلَمُ مِنْكُمْ دليل على أنّ من تأهَّلَ منهم للمراتب العليّة والوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره.[5]
أجل، إنّ حديث الثقلين -كما مرّت الإشارة إليه- من أقوى أسناد الشيعة على إمامة مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وخلافته بلا فصل. وقد أورد علماء الشيعة رضوان الله عليهم منذ صدر الإسلام حتى اليوم هذا الحديث المتواتر الصحيح السَّند المقطوع الصدور في كتبهم الكلاميّة، واستدلّوا على مفاده ومحتواه، واهتمّوا به اهتماماً بالغاً إلى عصرنا هذا حيث دوّن المرحوم سماحة آية الله العظمى البروجرديّ رضوان الله عليه كتابه النفيس الممتع: «جامع أحاديث الشيعة» الذي تحدّث في مقدّمته حديثاً وافياً شافياً حول سنده ودلالته.
وإذا كانت هذه المقدّمة قد كتبت بقلم سماحة آية الله الشيخ إسماعيل الملايريّ دامت بركاته وبفضل تتبّعه، وهو من أعزّ أصدقائنا ورفقائنا أيّام دراسة العلوم الدينيّة في حوزة قم المقدّسة، بَيدَ أنّها دُوِّنت جميعها بإرشادات الاستاذ آية الله البروجرديّ الخاصّة وتوجيهاته المسدِّدة، وقد أشرف عليها بنفسه.[6] ونلاحظ في هذه المقدّمة أنّه ينسب الحديث المذكور إلى أربعة وثلاثين صحابيّاً وصحابيّة. لكنّي تتبّعت رواته فوجدتهم أكثر من أربعة وثلاثين، مع أنّ ابن حجر ذكر في صواعقه عشرين ونيّفاً، وأنّ العلّامة الخبير المتضلّع المتتبّع نحرير البحث ونقّاد الكلام سماحة آية الله مير حامد حسين الكهنويّ الهنديّ النيسابوريّ لم يزد على خمسة وعشرين راوياً كما في كتابه النفيس الثمين «عَبَقَات الأنْوار».
[1] ذكر ابن حجر في الباب الخامس من صواعقه شبهات الشيعة الخمس عشرة وأجاب عنها بزعمه.
[2] «الصواعق المحرقة» ص 89. ذكر ذلك في آخر الصفحة عند تفسير الآية الرابعة من الآية الواردة في الفصل الأوّل من الباب الحادي عشر في شأن أهل البيت وفضائلهم، وهي قوله: وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مسْئُولُونَ.
[3] الآية 42، من السورة 41: فصّلت.
[4] أقصر من باب الأفعال، إذا تعدّى بعن أفاد معنى الكَفّ عن الشيء وتركه مع القدرة عليه. أقصر عن الأمر: أمسك عنه مع القدرة عليه.
[5] «الصواعق المحرقة» ص 135 في باب وصيّة النبيّ بهم؛ و«المراجعات» ص 15 إلى 17، الطبعة الأولى. ثمّ قال في الهامش رادّاً على ابن حجر: ثمّ سله لما ذا قدّم الأشعريّ عليهم في اصول الدين، والفقهاء الأربعة في الفروع؟ وكيف قدّم في الحديث عليهم عمران ابن حطّان وأمثاله من الخوارج، وقدّم في التفسير عليهم مقاتل بن سليمان المرجئ المجسِّم، وقدّم في علم الأخلاق والسلوك وأدواء النفس وعلاجها معروفاً وأضرابه؟! وكيف أخّر في الخلافة العامّة والنيابة عن النبيّ أخاه ووليّه الذي لا يؤدّي عنه سواه؟ ثمّ قدّم فيها أبناء الوزغ على أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ ومن أعرض عن العترة الطاهرة في كلّ ما ذكرناه من المراتب العليّة والوظائف الدينيّة واقتفى فيها مخالفيهم، فما عسى أن يصنع بصحاح الثقلين وأمثالها؟ وكيف يتسنّى له القول بأنّه متمسّك بالعترة وراكب سفينتها وداخل باب حطّتها؟
[6] «جامع أحاديث الشيعة» ج 1، ص 29 إلى 52، المقدِّمة، طبعة رحليّة.