قد وقّف العالم المذكور رضوان الله عليه الجزءَ الأوّل من الجزء الثاني عشر من عبقاته على البحث في سند الحديث المشار إليه، وتحدّث فيه حديثاً تامّاً وافياً عن مائة وسبعة وثمانين رجلًا من مشاهير علماء أهل السنّة الذين رووا هذا الحديث أو أثبتوه أو صحّحوه، وشغل حديثُه قَرابة ألف صفحة من ذلك الجزء.
وأورد السيّد المؤلّف ترجمة هؤلاء العلماء مفصّلًا، وذكر متن الحديث بألفاظه المختلفة وتعابيره المتباينة مع الكتب التي ادرج فيها، وأسماء الرواة. وأثبت الحديث بنحو رائع جذّاب، وإشارات وتتبّعات جميلة لطيفة متقنة متينة. وبغضّ النظر عن سائر أجزاء هذه الموسوعة المباركة، يمكننا أن نعدّ هذا الجزء وحده (جزء الثقلين) كنزاً من العلم والبصيرة والخبرة.[1] ونقل الكتاب أسماء علماء السنّة الذين ذكروا الحديث، حسب التسلسل الزمنيّ اعتباراً من القرن الثاني حتى القرن الثالث عشر الهجريّ.
وإذا كان كثير من العلماء الأعلام قد صنّفوا كتباً مستقلّة في هذا الحديث بعد تلك الآية العظمى (المرحوم مير حامد حسين أعلى الله مقامه)، غير أنّهم جميعاً اقتبسوا من مشكاة أنوار هذا المجاهد العظيم والآية الإلهيّة العلميّة الكبرى، فحقيق أن نقول: كُلُّ الصَّيْدِ في جَوفِ الفَرَا، لأنّ كثيراً من مصادر تحقيقه وتأليفه مخطوطات فذّة فريدة.
وألّف المرحوم ابن خالى آية الله الميرزا نجم الدين شريف العسكريّ قدّس الله نفسه كتاباً جميلًا لطيفاً تحت عنوان: «مُحَمَّدٌ وعَليّ وحَدِيثُ الثَّقَلَيْنِ وحَدِيثُ السَّفِينَةِ» وهو رائع حقّاً، بَيدَ أنّه كما أشار بل نصّ على أنّه استهدى بـ «العبقات» في معظم المواطن.
إنّ الجزء المذكور من كتاب «عبقات الأنوار» يدور حول حوار المؤلّف مع صاحب «التُّحْفَة الاثنا عَشَرِيَّة» بخصوص حديث الثقلين. وقد أماط اللثام رحمه الله عن مغالطاته وتخديعاته[2] وتحريفاته العشرة عند نقل الحديث (المقصود مغالطات صاحب التحفة و...).
ومن المناسب -إذ بلغ كلامنا حول الحديث الشريف المذكور هذا الموضع- أن نتوسّع في كلامنا نوعاً ما ليدور حول قوّة سنده وعظمة وإتقان مفاده ومعناه، وذلك لمزيد اطّلاع المؤمنين واستبصار المستبصرين.
[1] تمّت الطبعة الأولى لهذا الكتاب في جزءين سنة 1314 هـ. ق بالهند. أمّا طبعته الثانية فقد كانت في إصفهان سنة 1379 و1380 هـ. ق من قِبَلِ «مؤسّسة نشر نفايس مخطوطات اصفهان»(= مؤسّسة نشر نفائس المخطوطات في إصفهان).
[2] خدّعه بالسيف: ضربه ضرباً لا ينفذ ولا يُحيك. أي: أنّ حملات صاحب «التحفة الاثنا عشريّة» ليست إلّا حملات عقيمة لا طائل تحتها كالذي يضرب شخصاً بسيفه فلا ينفذ ولا يؤثّر فيه. والملحوظ أنّ السيّد حامد حسين يستعمل كلمة «تخديعات» كثيراً. منها قوله في ص 7 من الجزء الأوّل، حديث الثقلين: إنّ أوّل تخديع صدر من المخاطَب هنا هو ... إلى آخره.