تعدُّد مدارس تاريخ العلم( المدرسة الوضعية)
المؤلف:
شوقي جلال
المصدر:
على طريق توماس كون رؤية نقدية لفلسفة تاريخ العلم في ضوء نظرية توماس كون
الجزء والصفحة:
ص50
2026-06-23
31
تذهب إلى أن التطور التاريخي للعلم هو أحداثٌ متعاقبة لا تخضع لقاعدةٍ مُطردة يمكن وصفها ولا يمكن أيضًا تفسيرها. وتُعَد جميع مدارس تاريخ وفلسفة العلم الحديثة جهودًا نافية لهذا الاتجاه. ويمكن القول إن المدارس الأخرى المعاصرة هي آراءٌ جديدةٌ راديكالية وتشكِّل تمرُّدًا على النظرة الوضعية بشأن العلم وتطوُّره وبنيته، بل وأيضًا من حيث تصوُّراتها للطرق الملائمة لحل مشكلات فلسفة العلم، وبيان ماهية هذه المشكلات ذاتها. والملاحظ أن تراث التجريبية المنطقية نزع إلى إغفال تاريخ العلم باعتباره غيرَ ذي صلةٍ بفلسفة العلم، بناءً على الاعتقاد بأنه «لا منطق للاكتشاف»، وأن عمليات ملاءمة الاكتشاف العلمي والتقدُّم العلمي هي موضوع دراسة لعلم النفس وعلم الاجتماع وليست عمَل عالِم المنطق. هذا فضلًا عن أن فلاسفة التجريبية المنطقية اعتادوا النظر إلى تاريخ العلم باعتباره أساسًا سجلًّا لعمليات إزاحةٍ تدريجيةٍ للخرافة والهوى وغير ذلك من معوِّقات التقدُّم، ثم إضافاتٍ متزايدة باطراد. وهذا هو التفسير المألوف لتاريخ العلم، والذي أطلق عليه توماس كُون مفهوم التطوُّر عن طريق التراكم، بينما يؤكد ﻫ. فيجل H.FeigL وهو من أعلام مدرسة التحليل المنطقي الوضعية أن فلسفة العلم تستهدف توضيح طبيعة المعرفة من حيث الشكل المنطقي وتحليل الألفاظ والمصطلحات العلمية؛ أي لغة العلم. ما الذي نعنيه بالدقة حين نقول إن حدثًا ما علةُ حدثٍ آخر؟ ما هي بنية قانون الطبيعة؟ ما هي طبيعة النظرية العلمية؟ كيف يختلف القانون العلمي عمَّا يُسمَّى بالقوانين الإحصائية التي يعمل بها علماء الفيزياء والمجتمع … إلخ، وما هو منهج البحث العلمي؟ ويُنكر فيجل على المدارس الأخرى التي تعترف بتاريخ العلم حق انتمائها إلى فلسفة العلم. ويقول إن الدراسة الاجتماعية النفسية للعلم؛ أي دراسة العلم باعتباره نشاطًا وظاهرةً اجتماعية شأنه شأن أنشطةٍ أخرى، وأثَر نتائج النشاط العلمي على أطوارٍ أخرى للمجتمع، وأثَر البنية الاجتماعية على المشروع العلمي وعلى اختيار المشكلات والظروف التي يتمُّ فيها، وهو ما يُسمَّى سوسيولوجيا المعرفة أو تاريخ الأفكار. كل هذا إنما يُعدُّ نوعًا من الاشتغال بالنشاط العلمي وليس حديثًا عن هذا النشاط؛ ولذلك فإنه ليس جزءًا من فلسفة العلم التي هي منطق العلم ومعالجة للشكل المنطقي دون محتوى القضايا العلمية، والهيكل المنطقي الأمثل لأي نظريةٍ علميةٍ دون تحديد.
وقد أثيرت اعتراضاتٌ كثيرة ضد نهج المدرسة الوضعية:
• أولًا: حيث إن فلسفة العلم، حسب هذا التصور، لا تعالج نظرياتٍ علمية بذاتها فإنها تغدو محصنة ضد تقلُّبات العلم؛ ظهور واندثار نظرياتٍ علمية محددة؛ ذلك لأن هذه التحولات منصبَّة على محتوى العلم، بينما فيلسوف العلم مَعنيٌّ بالهيكل أو البنية التي هي شكلٌ ظاهري، ولا تعنيه نظرياتٌ محدَّدة، بل الخصائص العامة لأي نظريةٍ ممكنة، ويعنيه المعنى الإشاري؛ أي معنى كلمة نظرية ذاتها.
• ثانيًا: إن فيلسوف العلم بهذا المعنى تقتصر مهمته على تزويدنا بتحليل نهائيٍّ للتعبيرات التي يُحلِّلها، ويحدِّد لنا سمات كل التفسيرات الممكنة؛ أي إنه بالأحرى يزوِّدنا بالخصائص الشكلية لكل التفسيرات الممكنة مستقبلًا.
• ثالثًا: إن التجريبية المنطقية تُحاول حل مشكلات فلسفة العلم من خلال تطبيق تقنيات المنطق الشكلي والالتزام بنهجه، وبذلك فقدَت التجريبية المنطقية كل علاقةٍ وثيقة بالعلم بمعناه الحقيقي في الواقع النابض بالحياة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة