قصد الجاني قتل شخصين فأكثر بفعل واحد
المؤلف:
محمد حسن صلاح مهدي الجواهر
المصدر:
جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها
الجزء والصفحة:
ص 103-106
2026-06-25
26
لقد شدد المشرع عقوبة القتل العمد بالنظر إلى جسامة الضرر الناشئ عن الجريمة وذلك في حال أدى فعل الجاني إلى قتل شخصين فأكثر. وقد أورد المشرع التشديد الناشئ عن جسامة الضرر الواقع من الجاني في حالتين، الحالة الأولى تتمثل في الفقرة (1) من المادة (406)، حيث نصت على " 1- يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية : و - إذا قصد الجاني قتل شخصين فأكثر فتم ذلك بفعل واحد" أما الثانية فتتمثل في الفقرة (2) من نفس المادة، والتي نصت على 2 وتكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد في الأحوال التالية : أ- إذا قصد الجاني قتل شخص واحد فادى فعله الى قتل شخصين فأكثر " ويتبين من نص المادة في فقرتيها ان كلا الفقرتين من الظروف المشددة الموضوعية في جريمة القتل العمد، ذلك وعند الرجوع لذات المادة في فقراتها المذكورة آنفاً، نجد أن المشرع قد شدد العقوبة بسبب نتيجة الفعل الإجرامي المرتكب وهو تعدد المجني عليهم، وشدد العقوبة سواء قصد الجاني أم لم يقصد من ذلك تحقق قتل أكثر من شخص.
وبالانتقال إلى التشريعات محل المقارنة، نجد أن موقف المشرع المصري من ظرف التشديد محل البحث لم يكن متشابهاً مع موقف مشرعنا العراقي، فبعد الرجوع إلى نصوص قانون العقوبات المصري لم نجد نصاً خاصاً او ذكراً لهذه الصورة من صور القتل العمد ولم يفردها على انها ظرف مشدد وانما تناول ذلك في القواعد العامة في المادة (32) حيث نصت على " إذا كون الفعل الواحد جرائم متعددة وجب اعتبار الجريمة التي عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها ".
اما قانون العقوبات الفرنسي فقد ذهب بذات المنحى الذي ذهب اليه المشرع المصري، اذ لم ينص على تعدد الضحايا كظرف مشدد للقتل العمد إلا انه نص في المادة (221- 1) على" تعد أفعالاً إرهابية إذا ارتكبت عمداً وكانت مرتبطة بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى الاعتداءات العمدية على الحياة والاعتداءات العمدية على سلامة الأشخاص" إذ في هذه المادة يعتبر ارتكاب فعل القتل ضد أكثر من شخص يغير من طبيعة الجريمة وعقوبتها لكنه ووفقاً لما جاء في النص، يرتبط بالباعث الارهابي لا بالتعدد المجرد من هذا الباعث. ومن ذلك يتضح تباين الاتجاهات التشريعية في مواجهة واقعة قتل أكثر من شخص بفعل واحد وحسناً فعل المشرع العراقي عند النص عليه كظرف مشدد خاص للقتل العمد كونه أكثر صراحة ووضوحاً في التعامل مع القتل بفعل واحد لأشخاص متعددين إذ قطع طريق الاجتهاد الفقهي والقضائي الذي قد يتردد في تكييف الفعل الواحد ذي النتائج المتعددة. وأن علة التشديد والسبب الذي دفع المشرع لتشديد هذا الفعل لما يكشف عنه هذا الفعل من درجة عالية من الخطورة الإجرامية فمن جهة أولى يدل على اتجاه إرادة الجاني إلى إزهاق روح أكثر من إنسان حي في آن واحد، وهو ما يعكس إصراراً أكبر على الاعتداء على الحق في الحياة وخطورة إجرامية أكبر، فالجاني هنا لا يكتفي بالاعتداء على فرد واحد، بل يتجه عمداً إلى القضاء على حياة أكثر من إنسان، الأمر الذي يكشف عن خطورة خاصة في شخصه.
ومن جهة ثانية، فإن تحقق النتيجة المتمثلة في تعدد القتلى يعكس جسامة مادية بالغة في الجريمة، إذ يتضاعف الاعتداء على الحق في الحياة، وهو ما يبرر تشديد العقوبة.
أما شروط تحقق هذا الظرف، فعند قراءة نص المادة (406/1/و)، سالفة الذكر، يتبين أنه لتحقق المسؤولية عن جريمة القتل العمد المقترن بهذه الصورة المشددة. نتوصل إلى شرطين؛ :-
الشرط الأول، يتمثل بالقصد الجنائي؛ يشترط لتحقق ظرف التشديد في هذه الحالة أن يثبت يقيناً توجه إرادة الجاني إلى إزهاق روح شخصين فأكثر، منذ اللحظة التي صمم فيها على ارتكاب فعله، فالقانون هنا لا يكتفي بمجرد وقوع الوفيات، بل يتطلب إرادة اجرامية تستهدف قتل أكثر من إنسان في آن واحد، وهذا يعني ان الجاني حيثما اختار وسيلته سواء كان اطلاق كثيف او حرق المكان، كان يعلم يقيناً بوجود عدة أشخاص في مسرح الجريمة، ووجه إرادته الواعية نحو انهاء حياة هؤلاء جميعاً ولتحقيق هذا الشرط يجب على المحكمة ان تستظهر من ظروف الواقعة ما يؤكد أن الجاني كان يبتغي هذه النتيجة، فعلى سبيل المثال ان استخدام وسيلة واسعة النطاق كإطلاق عيارات نارية بشكل عشوائي في مكان يكتض بالناس، من القرائن القوية على توافر هذا القصد ويترتب على هذا الشرط أنه إذا أراد الجاني قتل شخص واحد لكن فعله أدى إلى قتل أكثر من شخص كأن يكون ذلك نتيجة خطأ في التصويب من قبل الجاني ففي هذه الحالة يعاقب وفق المادة (1/2/406) لانتفاء قصد القتل للأشخاص الآخرين. اما الشرط الثاني فيتمثل بوحدة الفعل؛ يشترط لتحقق هذا الظرف أن تصدر عن الجاني "حركة مادية واحدة" أو سلوك إجرامي لا يتجزأ من الناحية المادية والزمنية، بحيث يكون هذا الفعل. هو المصدر والمنطلق الوحيد لكل النتائج الإجرامية (الوفيات) التي تلت ذلك. والمقصود بوحدة الفعل هنا هو السلوك الذي ينفذ به الجاني مشروعه الإجرامي دفعة واحدة دون تراخ زمني أو تكرار للحركات المادية. ومن أمثلة ذلك أن يطلق الجاني رصاصة واحدة من سلاحه فتخترق جسد الأول لتستقر في قلب الثاني وتقتلهما معاً، أو أن يقوم بإشعال نار في مكان يوجد به عدة أشخاص، أو وضع مادة سامة في وعاء طعام مشترك.
إن العبرة في هذا الشرط هي قيام الجاني بارتكاب أكثر من فعل ( حتى وإن كان الزمن بينهما ثوان معدودة) نكون هنا أمام "تعدد أفعال" وليس "فعلاً واحداً" ، وتنتقل الجريمة من الفقرة (1/و) إلى الفقرة (1/ ز) من المادة 406 (القتل المقترن بجريمة قتل أخرى).
اما الشرط الثالث إزهاق روح أكثر من شخص؛ لا يكفي لتحقق هذا الظرف وقوع فعل واحد، بل يجب أن يترتب على هذا الفعل تحديداً وفاة شخصين على الأقل. والمقصود بذلك هنا هو تحقق "النتيجة المادية" وهي الموت، فإذا أدى الفعل الواحد إلى وفاة شخص واحد وإصابة الآخرين بجروح فقط، فإن ظرف التشديد هذا لا يتحقق، بل نكون أمام جريمة قتل عمد وجريمة شروع في القتل ويطبق عليه نص المادة (406 / 1 / ز) كذلك يجب أن تكون العلاقة بين الفعل والنتائج المتعددة" علاقة سببية مباشرة" ؛ بمعنى أن الجاني قصد قتل أكثر من شخص، وأن فعله أدى إلى تحقيق هذا القصد. ومن التطبيقات القضائية على ذلك أحد قرارات محكمة التمييز الذي جاء فيه (... وجد أن المتهم قد أقدم على إطلاق النار من سلاح ببندقية كلاشينكوف باتجاه المجني عليهما أثناء تواجدهما داخل عجلة واحدة، مما أدى إلى وفاتهما فوراً في مكان الحادث، وحيث إن الثابت من وقائع القضية أن المتهم قد ارتكب جريمة قتل شخصين بفعل واحد، مما ينطبق وأحكام المادة /1/406 و وحيث إن الثبوت قد تم تأييده بقرار الحكم الصادر من محكمة الجنايات، لذا قرر تصديق حكم الإعدام الصادر بحق المتهم ورد الطعون التمييزية كافة.. ) (1) إذ لاحظت المحكمة أن إطلاق النار كان في سياق واقعة واحدة (فعل واحد) استهدف المجني عليهما معاً في مكان واحد (داخل السيارة) .
وهذا ما حقق الظرف المشدد الوارد في الفقرة (1 / و) من المادة 406، واستدلت المحكمة على قصد القتل من نوع السلاح المستخدم (بندقية)، وتوجيه الإطلاقات نحو أجزاء حيوية من جسم الضحيتين.
____________
1- قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 251 بتاريخ 3/2/2021.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة