اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بتفسير نصوص الدستور
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 78-81
2026-06-25
26
لاشك أن تحديد السياسة القضائية التي يتبعها القاضي الدستوري عند ممارسة اختصاص تفسير نصوص الدستور يعتبر من النواحي المهمة ، اذ لا يتشابه القضاء الدستوري مع القضاء العادي عند انزاله للنص على الدعوى المعروضة أمامه بصورة تلقائية ، بل أنها مهمة عسيرة يتوجب فيها التوفيق بين أعتبارين متناقضين أولهما المحافظة على الشرعية الدستورية وثانيهما المحافظة على استقرار الدولة وأساس نظامها من الإنهيار (1)
واختصاص التفسير من الاختصاصات المستحدثة للمحكمة الاتحادية العليا إذ لم يكن منصوصا عليه في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 ولا قانونها رقم 30 لسنة 2005 ، وحسنا فعل المشرع حين نص على أسنادها هذا الاختصاص بالمادة ( 93 / ثانياً ) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 ، وجعل جهة واحدة تقوم بتفسير نصوص الدستور تلافيا لما قد يحدث عند تفسير نصوصه ومنعاً لتضارب الآراء وتوحيدا لها وتوفير حالة من الاستقرار والوحدة عند تطبيق النص الدستوري .
وقد أصدرت المحكمة استناداً لهذا الاختصاص جملة من الأحكام التي فسرت فيها نصوص الدستور بحكم اختصاصها والتي سنبحثها بالتحليل لاحقا ، بيد انها رسمت سياسة وتوجهات خاصة بشأن اختصاصها بالتفسير سنبينها على النحو الآتي :-
أولاً / رد طلبات تفسير القوانين العادية وبيان الرأي :- تفسير القواعد القانونية العادية راجع بحسب القانون لمجلس الدولة إذا ما طلب منه ذلك مباشرة وفقا للمادة ( 6 / خامساً) من قانون مجلس الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل ، وبما ان الدستور منح أختصاص تفسير نصوصه للمحكمة الاتحادية العليا ، يثار التساؤل عن إمكانية الاخيرة تفسير القوانين العادية أو تفسير أحكامها ؟
ذهب رأي فقهي الى أن المحكمة لها القدرة على تفسير القواعد القانونية بمناسبة مزاولة بقية اختصاصاتها الأخرى ، أي تفسير القانون العرضي بطلب غير مباشر من خلال اعتكافها على تحليل وتفسير نصوص الدستور والقوانين المطعون بعدم دستوريتها (2) .
أما المحكمة الاتحادية العليا فقد جاهرت بحكمها 8 / أتحادية / 2009 في 19 / 2 / 2009 بأن (تفسير نصوص القوانين يخرج النظر فيها عن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا، ويدخل ضمن اختصاصات مجلس الدولة ) ، وفي حكمها بالعدد 25 / اتحادية / 2008 في 23 / 6 / 2008 قضت بصريح العبارة بـ ( أن تفسير نصوص القوانين والأوامر وبيان الرأي لا يدخل النظر فيه ضمن اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا ) (3) ، وأمتنعت بحكمها ذي العدد 36 / أتحادية / 2009 في 26 / 5 / 2009 عن تفسير نص قانوني لان ليس من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا تفسير نصوص قانون المحافظات غير المنتظمة في اقليم ، لعدم تعلقه بتفسير نص دستوري (4) .
وبدورنا نعتقد أن المحكمة حسنا فعلت حين نأت بنفسها عن الدخول بأختصاص لم ينص عليه الدستور ومعقود لغيرها وهو مجلس الدولة ، من جانب ثان أن الدخول بتفسيرات قوانين يضعها البرلمان سيدخلها في دوامة الصراعات الحزبية والسياسية والتي قد لا تأتي تفسيراتها بما تشتهي سفن الاحزاب الحاكمة ، فتعدل القانون وفقا لصلاحياتها الدستورية بما يخالف تفسيرات المحكمة وتذهب قيمة آرائها ومبادئها وجهدها ادراج الرياح .
ومن سوابق هذا الاتجاه موقف المحكمة العليا الأمريكية حينما قدم الرئيس واشنطن إليها سلسلة من الأسئلة المتعلقة بتفسير المعاهدات المعقودة مع فرنسا لأبداء رأيها فيها إجابت المحكمة ( أنها لا ترى من المناسب أعطاء رأي في أمور لم تنشأ عن قضية مطروحة أمامها وفي هذا تطبيق لقاعدة أن القاضي لا يستفتى ) (5).
ويثار التساؤل هل من الممكن أن ينسحب اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بتفسير نصوص الدستور لممارسة أختصاص تفسير القوانين المكملة للدستور ، كقانون مجلس النواب والنظام الداخلي له وقانون مجلس الوزراء وقانون المحكمة الاتحادية العليا بوصفها قوانين ذات طابع دستوري ؟
ذهب رأي فقهي إلى ان نصوص دستور جمهورية العراق لعام 2005 لا تتسع للاجابة على التساؤل . ويذهب لجواز الأخذ بالمفهوم الواسع للتفسير وجعله شاملا لكل ما يتعلق بعمل السلطات العامة وبالتالي ينصرف إلى نصوص الدستور والقوانين المكملة له (6).
بيد ان المحكمة ذهبت خلاف ما تقدم وتمسكت وفقا لحكمها 15 / أتحادية / 2007 في 16 / 7 / 2007 بذات سياستها القضائية بأن تفسير القوانين او الأنظمة الداخلية من اختصاص مجلس الدولة ، وليس من بين اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا (7).
وبدورنا لا نميل لتبني المحكمة الاتحادية العليا تفسير القوانين المكملة للدستور بوصفها وأن كانت ذات طابع دستوري ، فالدستور ( وفق النص الحالي ) لا يجيز لها ذلك ، أذ أن المشرع الدستوري نص بصريح العبارة على أن التفسير لنصوص الدستور دون غيرها ولا أجتهاد في مورد النص ولو أراد ذلك لنص عليه وما هو بعسير ، وعلى هذا الاساس نؤيد ما أتجهت أليه المحكمة بمجاهرتها عدم تفسير القوانين العادية وعدم الخروج على نصوص الدستور وأبقاء تفسير تلك القوانين لمجلس الدولة وهو على ذلك قدير .
ثانياً / المحكمة لا تفسر أحكامها - تتجه المحكمة الاتحادية العليا إلى عدم تفسير أحكامها في أكثر من حكم ، كحكمها 23 / اتحادية / 2014 في 2 / 2014/12 الذي قضت فيه انها ( لا تختص في تفسير القرارات والأحكام الصادرة عنها ) ، وحكمها 62 / أتحادية / 2014 في 2 / 6 / 2014 أن ( ليس من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا توضيح الأحكام والقرارات الصادرة عنها ) (8) .
كما انها امتنعت لعدم الاختصاص عن تفسير حكمها 144 / اتحادية / 2017 في 29 / 1 / 2018 حين قضت بالدعوى ذي العدد 41 / أتحادية / 2018 في 1 / 3 / 2018 بـ ( أن المادة 93 الدستور والمادة ( 4 ) من القانون رقم 30 لسنة 2005 قد حددتا اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وليس من بينها . تفسير الحكم الصادر عنها ... ) (9).
بید اننا نجدها خالفت هذه السياسة وفسرت أحد أحكامها الصادرة بتاريخ 12 / 3 / 2013 بالدعوى 14 / أتحادية / 2019 حين حكمت بـ ( إن الاحكام والقرارات التي تصدر عن المحكمة الاتحادية العليا تكون نافذة اعتباراً من تاريخ صدورها ما لم ينص في تلك الأحكام والقرارات على سريانها من تاريخ آخر ، وحيث أن القرار الصادر عنها بالعدد 10 / اتحادية / 2013 لم ينص على ذلك، لذا فإنه يعد نافذاً من تاريخ 2013/3/12 ... ) (10) .
وبدورنا لا نميل لتوجه المحكمة برفض تفسير أحكامها ( رغم انها لم تلتزم بهذا المسلك ) فلا يوجد ما يمنع اللجوء لازالة الغموض الذي قد يشوب الاحكام .
_____________
1- د. مجدي مدحت النهري، تفسير النصوص الدستورية في القضاء الدستوري، مكتبة الجلاء الجديد ، المنصوره ، 2003 ، ص 4 .
2- د. علي هادي الهلالي ، النظرية العامة في تفسير الدستور ، ط1 مكتبة زين الحقوقية بيروت 2011 ، ص209 - 210
3- وبذات الاتجاه بحكمها 5 / أتحادية / 2009 في 4 / 2 / 2009 ، وحكمها 21 / اتحادية / 2016 في 6 / 4 / 2016 ، وحكمها 104 / اتحادية / 2017 في 10 / 10 / 2017 ، الاحكام منشورة على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 13 / 12 / 2020
4- وحكمها 112 / اتحادية / 2015 في 8 / 11 / 201 ، منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 15 / 12 / 2020
5- سعد محمد عقيلة ، ولاية تفسير الدستور بطريق الرقابة الدستورية ، بحث مقدم في الملتقى العلمي الثامن لاتحاد المحاكم والمجالس الدستورية العربية المنعقد في مملكة البحرين ، 2013 ، منشور على الموقع الإلكتروني : www.startime.com تاريخ الزيارة 25 / 12 / 2020
6- د. مصدق عادل طالب:القضاء الدستوري في العراق ,دار السنهوري بيروت . 2015. ص104
7- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 15 / 12 / 2020
8- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 17 / 12 / 2020
9- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 17 / 12 / 2020
10- الحكم منشور على موقع المحكمة الاتحادية العليا www.iraqfsc.iq ، تاريخ الزيارة 17 / 12 / 2020
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون العقوبات العام
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة