فكرة أن المكان والزمان قد يكونا بلا نهاية ومتناهيين هي كما يقر هوكنج نفسه، مجرد فرض فحسب، هو مما لا يمكن استنباطه من أي مبدأ آخر، وحيث إن الأمر هكذا فإن لنا الحرية في أن نتساءل عما إذا لم يكن من الجائز وجود طرق أخرى معقولة يمكن أن يبدأ بها الكون.
وأحد أبسط هذه الطرق هو فكره أن الكون ربما قد بدأ كتراوح كمي تم فيه تخلق بعض جسيمات تقديرية من الفضاء الخاوي وهذا السيناريو التخليقي قد طرحه الفيزيائي إدوارد تريون في ،1973، وقد نوقش في الفصل الثاني فيما يتعلق بنموذج الكون الانتفاخي.
على أن فرض تريون هو في الحـقـيـقـة فـرض مستقل عن نظريات الكون الانتفاخي. وفكرته الأساسية هي أنه إذا كان إجمالي محتوى الكون من الكتلة الطاقة هو صفر (لنتذكر هنا أن إجمالي طاقة الجاذبية هو بالسالب)، فإن مبدأ عدم اليقين (لهايزنبرج) يخبرنا بأنه يمكنه أن يوجد لفترة لامتناهية من الزمان. ويصدق هذا سواء أكان هناك تمدد انتفاخي أم لم يكن.
وثمة تنويعات على فكرة تريون وكمثل فإن أربعة فيزيائيين بلجيكيين هم ر. بروت وب انجليرت وإ. جونزج وب سبندل قد طرحوا في 1978أن الكون ربما قد بدأ بتخليق زوج من جسيم - ضديد جسيم كل منهما له كتلة من 1910جي ف. وما أن يوجد هذا الزوج من الجسيمات فائقة الثقل، حتى يحفز ذلك إنتاج الجسيمات الأخرى من المادة. وتستمر العملية فيما يفترض حتى يبدأ التمدد الانتفاخي، ليملأ الكون الذي يتمدد سريعاً بالمزيد من المادة والطاقة أيضاً. وحدث بعدها في 1981أن طرح فيزيائيان من جامعة روكفلر، هما هاينز باجلز ودافيد اتكاتز، أن الكون ربما قد بدأ ليس بتخليق زوج من الجسيمات، وإنما بتغير مفاجئ في خاصية أبعاد المكان. وحسب نظريتهما فإن المكان - الذي لا يحوي أصلاً أي مادة - يكون له بداية عدد كبير من الأبعاد. ويقول باجلز واتكاتز أن الكون ربما بدأ بتغير في حال الطاقة الكمية لهذا المكان. وهما يفترضان أن المكان - الزمان ربما حدث له «تبلر» مفاجئ في الأبعاد العشرة التي في نظرية الأوتار الفائقة.
وفي 1983 قام ألكس فيلينكين من جامعة تفتز بالتقدم خطوة أكثر إلى الأمام واقترح أن الفوضى الابتدائية التي تخلق منها الكون لم يكن لها حتى خاصية الأبعاد المحددة. وحسب نظرية فيلينكين، فإن نفس مفهوم خاصية الأبعاد للمكان الزمان لم يصبح له معنى إلا بعد أن ظهر الكون للوجود.
وعلى نحو ما، فإن كل هذه النظريات فيها ما يذكر بأسطورة للخلق موجودة في عدد من الحضارات المختلفة في الشرق الأوسط القديم. وحسب هذه الأسطورة فإن الكون عند تخليقه، لا يخرج من لا شيء، وإنما يخرج من نوع من فوضى بلا شكل. ونجد أصداء لهذه الأسطورة في الفقرة الثانية من الإصحاح الأول للتكوين حيث نقرأ، وكانت الأرض بلا شكل وخالية، وعلى وجه القمر ظلمة وأنا بالطبع لست أطرح أن في التكوين أو الأساطير القديمة أي هواجس مسبقة تتعلق بالفيزياء الحديثة. إلا أن من الشيق أن فكرة الخلق الخارج من فوضى بدائية تعاد الآن ولادتها فجأة في شكل جديد.