اشتهر الكثيرون من العلماء بازدرائهم للفلسفة. وهذه الشهرة هي أحياناً مما يجدر بهم حقاً. وكمثل، فإن الفيزيائي التجريبي البريطاني العظيم آرنست روذرفورد علق يوماً بقوله إنه يعتبر! الفلسفة في أيامه هي وكلام فارغ كثير. وبالطبع فإن المقصود هو أن روذرفورد ليس بالذي يجلس في كرسي ذي مسند ليتفكر فيما يكون عليه العالم، ولكنه يجري التجارب التي سوف تحدد ما للعالم حقاً من خصائص.
ولعل موقف روذرفورد فيه تعصب شوفيني، على أن له ما يبرره إلى حد ما. فروذرفورد قد أنجز أهم أعماله في أوائل القرن العشرين في وقت كان الفلاسفة فيه أخذوا يتخلون عن طرح المذاهب التي تحيط بكل شيء، وأخذوا يحولون انتباههم إلى أمور من مثل منطق القضايا، ومنطق العلم التجريبي.
ومن الناحية الأخرى فإن الفيزيائيين في عهد روذرفورد كانوا يحققون قدراً كبيراً من المعرفة الجديدة. وبالإضافة، فإنها فيما يبدو كانت معرفة ذات دلالات مباشرة إلى حد كبير. وكمثل، فعندما اكتشف روذرفورد نواة الذرة لم تكن هناك ضرورة للتفكير بحيرة فيما يعنيه ذلك. لقد برهنت التجربة على أن الشحنة الموجبة للذرة تتركز في منطقة صغيرة جداً في مركز الذرة، سميت (النواة).
أما الآن، فقد اختلفت الأمور تماماً. ولم يعد يبدو أن من الممكن إجراء أبحاث على تخوم العلم دون مجابهة أسئلة كانت تعد ذات. يوم أسئلة ميتافيزيقية. ووجد الفيزيائيون أنفسهم يسألون أسئلة. من مثل هل مما له معنى أن نتحدث عن زمان ما قبل بدء الكون؟ هل للكون بداية؟ وإذا كان له بداية هل ثمة ما يقال عنه إنه كان من قبلها؟ أو أن الزمان قد أتى للوجود مع الكون نفسه؟ ما هو بالضبط الوضع المنطقي للأكوان الأخرى، إذا كانت هذه الأكوان مما لا يمكن رصده؟ أيمكننا عندها أن نقول إنها موجودة حقاً؟ وإذا كان لا يمكننا قط أن نرى الثقوب الدودية التي تصل بين كوننا والأكوان الأخرى، هل يمكننا حقاً أن نتكلم، كما يتكلم هو كنج، عن جسيمات تكتسب الكتلة بأن تمر من خلال هذه الثقوب الدودية؟ أيكون هناك معنى ا لأن نتكلم عما لا يمكننا ملاحظته؟ أو أن هذا هو فحسب نوع من تفسير زائف؟ وفيما يتعلق بذلك، ما المعنى الذي ينبغي أن ننسبه لوجود أبعاد إضافية للمكان هي مضغوطة في أبعاد جد دقيقة في صغرها بحيث لا يمكننا قط أن نلاحظها؟ وإذا كان الأمر كما تطرحه بعض نظريات الأوتار الفائقة، وهو أن هذه ليست أبعاداً، حقيقية، فما الذي يمكننا استنتاجه من ذلك؟ وأخيراً، إذا كانت هناك نظرية لم تختبر، وليست فيما يحتمل مما يمكن اختباره، وتحوي متغيرات رياضية لا يمكن لأحد أن يفسرها، فما الذي بالضبط يقوله هذا بالفعل بالنسبة لمفهومنا عن الواقع الفيزيقي؟
إن هذه كلها أسئلة تثير الحيرة. على أن هناك فيما يحتمل سؤالاً آخر هو أكثر أهمية وهو يحوم فوق كل تلك الأسئلة، سؤال يتعلق بالصدع الذي يتنامى ما بين النظرية والتجربة.
فنحن لدينا في مجال علم الكونيات نموذج معقول جداً لكون انتفاخي، يبدو أنه يفسر كل القسمات الرئيسية للكون إلا أنه لا ينتج عنه سوى تنبؤات قليلة مما يمكن اختباره ولو طبقنا معيار بوبر عن القابلية للتفنيد، فإن هذا النموذج لا يكاد يبدو (علمياً).
أما في مجال فيزياء الجسيمات، فنحن نلاقي موقفاً أكثر تطرفاً. فقد أخذ الكثيرون من أفضل علماء الفيزياء النظرية في العالم يشغلون أنفسهم بما يكاد يكون مقصوراً على نظرية الأوتار الفائقة، وهي نظرية لم تنتج قط أي تنبؤ واحد قابل للاختيار، ولا يبدو أنها قادرة على صنع ذلك في أي وقت من المستقبل المنظور. هل يمكننا حقاً أن نسمي هذا بأنه «علم»؟ أو أن جلاشو كان مصيباً عندما طرح أن هذا نشاط مماثل للاهوت العصور الوسطى؟.
لقد أمكن في وقت ما أن يطلق روذرفورد على الفلسفة أنها (كلام فارغ) وإني لأتساءل عما كان سيظنه بشأن الموقف الحالي في الفيزياء لو أنه كان حياً. ها نحن الآن وقد أصبحت الحدود ما بين الفيزياء والميتافيزيقا غير واضحة. والأسئلة التي كانت تعد في : عصر آخر أسئلة ميتافيزيقية تدخل الآن في المناقشات عن أصل الكون، وأصبح الفيزيائيون يتحدثون عن المبادئ الإنسانية التي يبدو أحياناً أنها فلسفية أكثر منها علمية. وفي نفس الوقت ثمة نظريات تشمل كل شيء يتم طرحها وينتج عنها استنتاجات لا يمكن التحقق منها، وتبدو مشابهة للمذاهب الميتافيزيقية التي كان يطرحها باستمرار فلاسفة القرن التاسع عشر.
وقد وجد بعض الفيزيائيين المبرزين أن هذا الموقف فيه ما ينذر. وأحسوا أن الفيزياء تنجرف بعيداً عن أساسها التجريبي، وأنها أخذت تتحول إلى شيء ما غير العلم. وقد رأينا مثلاً أن بعض نقاد نظرية الأوتار الفائقة كانوا عنيفين للغاية في شجبهم للعلماء المنظرين الذين يتابعون إلى ما لا نهاية أفكاراً غير قابلة للاختبار.