إنّ العامّة ومتعصّبيهم جهدوا في إخفاء الحقائق، وإظهار الأباطيل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وأغضَوا عن هذا الحديث المبارك الذي يمثّل نصّاً صريحاً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته بلا فصل، إذ ذكروا بعض فقراته في كتبهم، وأحجموا عن ذكر فقراته الاخرى.
وذكرنا في الدرس الخامس من دروس الجزء الأوّل من كتابنا هذا «معرفة الإمام» أنّ الحلبيّ الذي روى هذا الحديث في سيرته، قد بلغ به إلىقوله: قَالَ عَلِيّ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَأنَا أحْدَثُهُمْ سِنَّاً، وسَكَتْ القَوْمُ.
ولم يقل شيئاً عن سؤال النبيّ، وجوابه المتعلّق بمقامات أمير المؤمنين، وحذف قوله صلّى الله عليه وآله: على أنْ يَكُونَ أخِي ووَصِيِّي وخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي وكذلك جوابه صلّى الله عليه وآله: فَأنْتَ أخِي ووَصِيِّي وخَليِفَتِي مِنْ بَعْدِي. وبلغ به الخزي أن قال: أضاف بعضهم كلمة أخِي ووَصِيِّي ووَارِثِي، ووَزِيرِي، وخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي[1].
وعلى الرغم من أنّ الطبريّ ذكر في تاريخه جملة: وَصِيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ[2] بَيْدَ أنّه أورد هذا الحديث بحذافيره سنداً ومتناً في تفسيره؛ ونقل جميع القصّة بنحو مفصّل، إلّا أنّه وضع لفظ كذا وكذا مكان وَصِيِّي وخَليِفَتِي فِيكُمْ[3]، فمسخ الحديث وشوّه صورته بهذا العمل.
وعبارته هي: قَالَ: فَأيُّكُمْ يُوَازِرُنِي على هَذا الأمْرِ على أنْ يَكُونَ أخِي وكَذَا وكَذا. وقال أيضاً في كلام رسول الله الأخير: ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا أخِي وكَذَا وكَذَا.
وتبعاً لهذه الجناية والخيانة، أورد ابن كثير الدمشقيّ أيضاً في «البداية والنهاية»[4] وكذلك في تفسيره[5] لفظ كَذَا وكَذَا بدل لفظ وَصِيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ.
لاحظوا هؤلاء الأعلام في التأريخ، والحديث، والتفسير كيف تجنّوا على الأجيال البشريّة وأعقابها وأخلافها عبر هذه السرقات المكشوفة؟ وكيف حجبوا وجه الحقيقة؟ إنّهم أرادوا وضع مذهب مزيّف في مقابل مذهب أهل البيت عبر الأساليب الملتوية المتمثّلة بالتزوير والخداع والحيلة.
ورأينا جنايات محمّد حسنين هيكل، وزير المعارف السابق في مصر ورئيس تحرير صحيفة «الأهرام» في الطبعة الاولى من كتابه: «حياة محمّد» وكذلك في الطبعة الثانية[6].
ونستخلص من هنا أنّ أهل السنّة يعتقدون بحكّام الجور. والتثريب على هؤلاء الرجال من حملة لواء العلم، وهؤلاء الرؤساء الدينيّين والوطنيّين الذين قلّدوا اولئك الجانين في أفكارهم وآرائهم وفقاً للقانون الطبيعيّ: النَّاسُ على دِينِ مُلُوكِهِمْ[7].
[1] «السيرة الحلبيّة» ج 1، ص 312.
[2] «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 62 و 63، طبعة مطبعة الاستقامة.
[3] «تفسير الطبريّ» ج 19، ص 74.
[4] «البداية و النهاية» ج 3، ص 40.
[5] «تفيسر ابن كثير الدمشقيّ» ج 3، ص 351.
[6] «حياة محمّد» ص 104. أورد في الطبعة الاولى جملة: فأيّكم يوازرني هذا الأمر و أن يكون أخي و وصيِّي و خَليفَتي فيكُم، بَيْدَ أنّه حذف كلام النبيّ: فَأنْتَ أخِي وَ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ في جواب أمير المؤمنين. أمّا في الطبعة الثانية فقد أسقط كلّ ما يتعلّق بأمير المؤمنين بصورة عامّة. و هو كما في المأثور: لَكِنَّ عَلِيّاً نَهَضَ وَ مَا يَزَالُ صَبِيّاً دُونَ الحُلُمِ، وَ قَالَ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ عَونُكَ؛ أنَا حَرْبٌ على مَنْ حَارَبْتَ، فَابْتَسَمَ بَنُو هَاشِم وَ قَهْقَهَ بَعْضهُمْ وَ جَعَلَ نَظَرَهَمْ يَنْتَقِلُ مِنْ أبي طَالِبٍ إلى ابْنِهِ.
[7] إنّ الناس يجعلون دينهم تبعاً لدين حكّامهم و ملوكهم حسب السنّة الطبيعيّة، و اتّباعاً للأهواء لا لمنطق التفكير السليم.